صفحات من مذكراتي 6
اليوم ليس لدي عمل
و لن أخرج من المنزل طوال اليوم حتى غدا صباحا
بمعنى أن لدي الكثير من الوقت الذى يمكننى أن أمضيه فى عمل الكثير من الأمور المؤجلة
هذا ما يكون يدور بخلدي طيلة فترة الصباح
ففتحت الجهاز و بدأت أراجع بعض الملفات
و هذا يعني أنني أعمل الفارق الوحيد أنني لم أذب لمقر العمل
و لكنني تذكرت أنني لن أخر طيلة اليوم من المنزل بمعنى أنه مازال لدي طيلة ساعات النهار
ظللت أمام جهاز الكومبيوتر حتى الواحدة ظهرا
و لم انتبه لمرور حوالى خمس ساعات من هذا اليوم الموصوف زورا بالعطلة
فى الواحدة ظهرا فوجئت بجهاز المفكرة ينبهني اليوم لديك موعد مع مدام شابا جاني فى الساعة الثالثة عصرا و خمسة عشر دقيقة
و هذا يعني أنني سأخرج من المنزل بعد ساعة أو ساعة ونصف على الأكثر
على كل حال الحمد لله أنني لم أنسى الموعد
مرت الساعة التالية فى التجهز للخروج
مدام شابا جاني
هي طبيبة فرنسية يهودية من أصل مصري
وصفت لى للذهاب إليها لعمل جلسات إبر صينية ربما أتمكن من النوم بشكل أفضل. و قد وافقت على الذهاب لها بعد إلحاح من الكثيرين.
توجهت للعنوان المحدد ليس بعيدا عن منزلى
و من الواضح أنني كنت مبكرا عن الموعد كالمعتاد
و هذه عادة عجيبة لا يكاد البعض يصدقها
فالناس عادة ما يوصفون بالتأخر عن الموعد بشكل يزعج الآخرين و يسبب لهم و لغيرهم الحرج
و لكننى على العكس أصل دوما مبكرا عن الموعد حتى يتسبب لى أحيانا في بعض الحرج مع الناس
و بالفعل عندما وصلت لعنوان مدام شابا جاني وجدت أنها غير موجودة في مقرها
و كان على أن أنتظر فالموعد في الثالثة و الربع و ما زالت الساعة قبل الثالثة بحوالى عشر دقائق
و لا يوجد أى مبرر أن أتصل على تليفونها الجوال ما دام الموعد لم يحن بعد
و لا أعرف لماذا شعرت بعدم الرغبة في الحركة أو التجول فى الشوارع ربما لأنني أعرف المكان جيدا و أى تجول و النظر فى المحلات المجاورة لن يشبع أى فضول
و دون تفكير وجدتني مستندا على أحدى الدعائم الحديدية التى تم وضعها من قبل البلدية باريس لمشروع الدرجات الجديد
المشروع يقوم على فكرة أن البلدية ستعمل محطات تضع فيها عدد من الدرجات في عدة أماكن من باريس و يمكن للأشخاص الراغبين استخدام هذه الدرجات في تنقلاتهم نظير اشتراكات محددة و بالتالى فأنت ستستقل الدراجة من جوار منزلك و تصل بها للعمل على سبيل المثال و عندما تص للعمل ستجد بالقرب منه مكان آخر مخصص لوضع الدرجات تترك فيه هذه الدراجة و في رحلة العودة يمكنك أن تذهب لهذا المكان و تستقل دراجة منه
بالطبع كل الدرجات ستكون بنفس المواصفات، و انت غير ملزم بان تستخدم نفس الدراجة بشكل دائم بل ستأخذ الدراجة المتاحة أمامك من هذه محطة الإقلاع و تتركها في محطة الوصول و بالتالى ستكون فى متناول شخص آخر يمكنه أن يستخدمها من مكان لآخر ، و عندما تريد أخذ دراجة تتوجه للمحطة و تأخذ الدراجة التى تجدها
لم يتك بدأ العمل بهذا النظام بعد و لكن التجهيزات على وشك الانتهاء و قد تلقيت الدعاية التى تعدها الجهات المختصة عن هذا المشروع.
رفعت رأسي للأعلى فاسترعي انتباهي سيدة من أصل أسيوي تقف فى النافذة و هذا الأمر لا يحدث كثيرا و لا أعرف السبب فالناس لا يطلون من النوافذ كثيرا، ربما لأنهم يعيشون الحياة لا يتفرجون عليها، و ربما لن هذه السيدة المسنة قد نالت منها أمراض الشيخوخة فقد توقفت عن النزول للطريق و لهذا فهي تنظر على الحياة الآن تتابع من يمارسونها كل شعر رأسها مغطى بالبياض و لا أكاد أرى التجاعيد واضحة لبعد المسافة بينى و بينها و لكن بات من المؤكد لدي أن التجاعيد تغطي وجهها، أدرت رأسي بعيدا عنها فمرت عيني على اللافتة الزرقاء المكتوب عليها سم الشارع – ريو دي شومان فير- و الاسم كما يظهر منه أن الطريق و الحي كله من قبل كان عبارة عن مزارع بالطبع لا أنا و لا أكثر المقيمين في الحي الآن أدركوا هذا الوقت
رست عيني على الرصيف الإسفلتي و لا أعرف ما الذى جعل عيني تقف طويلا على الرمز المرسوم على الأرض محدد المساحة لركن الآلات البخارية الخاصة بالمعوقين
ما هذه الحالة المزاجية القاتمة عيني لا تقع إلا على امرأة عجوز و لا تستقر إلا على رمز خاص بالمعوقين لم كل هذا
أنت ما زلت بعيدا عن كل هذا
بل على العكس كل التحاليل تؤكد أنك بخير
بل هم يؤكدون أنها تنظيم لطريقة الحياة سيكون كل شيء على ما يرام
ثم أنه من المنطقي أنك تشعر بالإرهاق بعد ساعات طويلة من العمل
بينما كنت في شرودي مع نفسي
وصلت مدام شابا جاني
صعدنا إلى مقر عملها الخاص
و بدأ بينما حوار بسيط عرفت منه انها يهودية كانت تعيش في مصر و تركوا مصر بعد أن قامت ثورة يوليو و هي التى تطوعت بالقول أن رجال الثورة لم يضايقوهم و لكن والدها هو الذى فضل أن يترك مصر و يهاجر إلى فرنسا و قد كانت في هذا الوقت صغيرة جدا
حتى أنها عندما عادت إلى حيث منزلهم السابق فى العباسية لم تتذكر أى شيء سوى ما قالوه لها عن المنزل الذى قال والدها أنه كما هو لم يتغير
كانت هي تتحدث عن ذكرياتها عندما عادت ثانية لمصر و هي شابة و كيف وجدت انه من المصادفة العجيبة أن سكان المنزل لديهم فتاة تدرس فى الليسيه فرنسا و بالتالى استطاعت أن تتحدث معها
و بينما كانت هي تتحدث عن ذكرياتها كانت صورة الممثل المصري محمود ياسين تقفز في رأسي مشاهد كثيرة من فيلم الرصاصة لا تزال لا في جيبي و مشاهد كثيرة عن عبور قناة السويس
و الفنان المصري أحمد مظهر أيضا قفزت صورته في رأسي و هو يرتدي الخوذة المعدنية في فيلم صلاح الدين
و فيلم وا إسلاماه
ثم تنبهت على صوت مدام شابا جاني و هي تقول لى: عرفت من الخطاب الموجه لى من الدكتور دويدار أنك لا تنام
فقفزت في رأسي صورة الممثلة المصرية فاتن حمامة في فيلم لا أنام و تذكرت منظر القطار يدهسها في نهاية الفيلم.
لاحظت مدام شابا جاني شرودي فقالت لى هل تود سماع الموسيقى و كأنني فإذا فيروز تصب في اذني كل أغنياتها عن القدس، فطلبت من مدام شاباجاني أن تسمح لى بالانصراف، فلم تعترض فقط لفتت نظري أنني يجب أن أدفع اثنين و أربعين يورو قيمة جلسة علاج الإبر الصينية التى كان المفترض أن تجريها لى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق