عندما كنت صغيرا كنت أسير في شارع سان مور من منزلنا إلي المدرسة، كنت أضرب كل حجر من تلك الأحجار المربعة السوداء التي تغطي شوارع باريس، و كأنني في كل مرة استعد للإقلاع في عملية طيران طويلة
و في هذا الشارع منزل صغير جدا قالت لي جدتي أنه كان جزءا من سجن للسيدات في عصر نابليون، بمواجهة هذا السجن يوجد ثلاث نافورات أو هي علي وجه الدقة نافورة واحدة كبيرة لثلاث حيوانات خرافية تعطي الماء في حوض النافورة
بدا لي هذا المنزل كأنه مرتفع جدا عن الشارع، كنت كلما مررت رفعت قامتي قليلا لأنظر ما بداخل هذا المنزل.
ذات يوم صعدت علي حد حوض الماء المقابل للمنزل - النافورة - رأيت أقدام ثلاث سيدات، لكن امرأة عجوز رأتني افعل هذا، قالت لي لا تفعل ذلك فلإن سقطت في حوض الماء تأكلك تلك الحيوانات المحيطة بحوض الماء، فلقد كانت تفعل ذلك لعهد قريب بالأطفال الذين يريدون النظر داخل المنزل، نظرت إلي هذه الرؤوس الحديدية لحيوانات أسطورية وضعت علي حافة الحوض المستدير فاغرة فاها، لم أشعر بالخوف منها، لكنني لم أكرر محاولة النظر داخل هذا المنزل ثانية.
بعد عدة سنوات توفيت جدتي، و ارتفعت قامتي عدة سنتيمترات و تمكنت من رؤية ما بداخل المنزل و جدت به ثلاث سيدات يجلسن علي طأولة و أمامهم أوراق اللعب تلك الكروت التي تستخدم للتسلي، و عدة شموع بيضاء، شموع في وسط النهار !
نعم لأن عيونهن صارت غير قادرة علي الرؤية الجيدة، بدت لي هذه الإجابة مقبولة في ذلك الحين
هل هذا المنزل يحمل كل هذا الغموض فقط لوجود أولئك السيدات، بما يبدو عليهن من عجز و كهولة!؟ لم لا يخرجن و يتسلين بأي شئ بالخارج؟
بعد ذلك قالت عاملة في المدرسة أنهن لا يلعبن و لكن ينظرن المستقبل، تحاولن أن تعرفن الغيب، عندها فقط فهمت أن الشموع لم تكن لضعف لرؤية، تمنيت لو أذهب إليهن، اسألهن أسئلة كثيرة.
لكن والدتي قالت هذا حرام، لا تفعل، خوفتني أنني إن ذهبت إليهم قد يأكلني الشيطان، بل حتما سيأكلني الشيطان و أكدت ذلك مرارا.
لم أكن صغيرا بالقدر الذي يجعلني أصدق فكرة الشيطان الذي يأكل البشر، و لكنني لم أذهب، و بعد قليل تغيرت المدرسة، و تغير طريقي، و أصبحت لا أري السيدات الثلاثة، أحيانا كنت أشعر أنهن فرضن علي أنفسهن أن يبقين في السجن رغم انتهاء عهده.
جرت السنون، رأيتني ذات مساء أسير في نفس الطريق، ليست لدي رغبة في أن أضرب الأحجار بقدمي و أشعر أنني مشدود بألف ثقل إلي الأرض، و في يدي حقيبتى الصغيرة لكنها أكثر ثقلا، حتى أنني أشعر بألم شديد في يدي من ثقلها، هاجمتني فكرة أنني لم أقم بعمل الواجب المنزلي.
يبدو الطريق ضيقا أكثر مما عهدته، قبل نهاية الشارع و جدته يفضي إلي ساحة كبيرة، اختفت مدرستي القديمة، و في وسط الساحة رأيت المنزل الصغير لقد أزالوا كل ما حوله لم يبقي سوي المنزل، ينبعث منه ضوء الشموع، و النافورة المواجهة له. تبث صوت خرير الماء في سكون الليل، كأنها تود أن تبلغنا الكثير و الكثير.
ما هذا ! ! ها هي أحداهن تنزع ملابسها لتغتسل في مغطس النافورة الكبير، لا يبدو أنها شعرت بوجودي، شعرها بسواد الليل، مختلطا بكثير من شعاع القمر، ما هذا الذي يغطي جسمها، إن كل جسدها مغطي بكتابة، نعم انها كتابة بلغة لا أعرفها، نزلت بكامل جسمها في الماء، اقتربت مسرعا نظرت في الحوض لم أجد أي أثر لها.
اليوم عبرت من هذا الشارع، اختفت الأحجار و تغطت بالإسفلت، سامح الله شارل ديجول، لقد قام بتغطية شوراع باريس الحجرية بالإسفلت و السبب في ذلك ليس كما قد يظن البعض طلبا لراحة الراكبين، أو محافظة علي إطارات السيارات، و لكن لأن أهالي باريس عندما قاموا بالمظاهرات، و حصلت المشادات بينهم و بين البوليس خلعوا الحجارة التي تغطي أرضية الشوارع و استخدموها في قذف عساكر الشرطة، و لعلها لم تكن المرة الأولي و لن تكون الأخيرة التي يستخدم فيها المقهورين الغاضبين الحجارة للدفاع عن رأيهم.
المنزل أصبح منخفضا عن مستوي الشارع تمنيت لو وجدتهن أو إحداهن على الأقل، نافذة المنزل عند ركبتي تقريبا، بدت النافذة بالية لقد أخذ منها الزمان كثيرا! و ها هي النافورة لم يعد يصدر الماء سوي من رأس واحدة فقط و كأنها تحاول مواصلة إرسال الماء في عناء شديد و كلل.
الآن يمكنني أن أراهُنّ بسهولة، أصبحت قامتي مرتفعة و أصبح المنزل في متناولي, و لكن أصبح المستقبل أكثر غموضا، أين هن الآن ؟؟ !! سؤال آخر يضاف
عادل صيام ADEL SEYAM

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق