http://www.foreca.com/

24‏/04‏/2010

ترميم الذّاكرة

ترميم الذّاكرة)
للكاتب البحريني: حسن مدن




*سيرة نهوض الماضي من رماده مُكملا رحلة الخلود

بقلم: زينب.ع.م.البحراني

"إنّنا لا ننسى أبدًا. صحيح أنّ الألم النّاجم عن الفقد والخسارة يتناقص بالتّدريج، لكنّ الشّخص نفسه لا ينسى، الواقعة نفسها لا يُمكن أن تُنسى. الذي يحدث هو أنّ الأمور تتوارى إلى منطقةٍ خلفيّة في ذاكرتنا، أو تتدثّر برداء كي لا تُرى، لكنّها لا تُغادر هذه الذّاكرة أبدًا.. إنّها بتوصيف أدق تغفو إغفاءة المُسافر، فما تكاد تسمع طرقًا خفيفًا حتّى تصحو وتستيقظ نشطة.... ص117".

هذا ما قاله الكاتب (حسن مدن) على صفحات كتابه التي استجابت لطرقات الحاضر على أبواب الذّاكرة، فأيقظت ملء رُبع قرنٍ من التّرحال بين المُدن، و الإبحار بين صفحات الكُتُب، و تصفّح وجوه وأرواح ما لا يُذكر عددًا من البشر. ولأنّ كلّ كتابٍ هو فلذةٌ من روح الكاتب نفسه، فإنّك تشعٌرُ مع إتمام هذا الكتاب أنّ ذاكرة الكاتب اكتفت هُنا بقطرة من بحر سيرتها، جزء أوّل يخبّئ مُجلّداتٍ أضخم من الصّور والأحداث والرّوائح والأصوات والأحاسيس التي مازالت مدفونة في ذاكرته دون أن تتسع الصّفحات التي طُبعت لاحتوائها، ورُبّما لأنّ إيقاظ المزيد من تفاصيل تلك الذّكريات بوسعه إيقاظ أوجاعٍ يصعُبُ تسكينها أو إقناعها بالعودة لأخذ إغفاءة جديدة. ليكون الكتاب – بكلّ عمقه واتّساعه- ثمرة وقفة قصيرة مع الذّات، قال عنها: " في حياة المرء تحين لحظةٌ يُمكن أن نُطلق عليها لحظة الوقفة مع الذّات. لحظةٌ تتكثّف فيها المشاعر والخبرات والأفكار والأماني التي لم تُبلغ في بؤرة واحدة تُشعّ بالتّوتّر والأسئلة، حين يخلد المرء إلى نفسه وحيدًا تمامًا، ليُجابهها بما يجب أن يُجابهها به من بواعث الحيرة والقلق والسؤال.... ص10". و أظنّ لو أنّ تلك اللحظة طالت هُنا، لوجدنا أنفسنا أمام أجزاء تملأ مكتبة كاملة لكتابٍ ضخمٍ واحد، تُغذيه سيرة حياة المؤلّف.

في هذا الكتاب نجد حياةً بدأت تنسج ذكرياتها في البحرين قبل أن تنتقل إلى القاهرة، فبغداد، ثمّ بيروت ودمشق، ثمّ موسكو، ومن بعدها الشّارقة، تليها عودة أخرى إلى البحرين. وفي زمن تغيّر الأماكن ذاته تكبُر الذّاكرة بمشاعر الحنين للوطن، وصدمة الاعتقال المُفاجئ، وأخبار وفاة الأحبّاء المقرّبين، والانشطار القسريّ عن الزّوجة والإبن الأوّل، والأمل بمُستقبلٍ أكثر مقدرة على الاخضرار. كلّ ذلك تقدّمه لنا السّطور بأسلوب هادئ رصينٍ تتقاسمه حكمة التأثّر بتجارب السّنين الفائتة، والثّقافة التي ترعرعت في فضاءات التّرحال وتعدد وتبايُن العلاقات الإنسانيّة والكُتُب والأفلام والعمل في ميدان الصّحافة وغير ذلك مما قد لا نعلم. فينقل بذلك لمُخيّلتنا وأحاسيسنا بعض بصمات الزّمن على وجه ذاكرته وذاكرة آخرين، ليغدو جزءًا من ذاكرة القارئ، ويتّحد مع أحاسيس الكاتب في مواقف ومشاهد عديدة غدت كبصمة زمنٍ لا تُمحى، فتبقى لتذكّرك بفلتات من ماضيك كإنسان، وتوقظ في نفسك مزيدًا من التّساؤلات المنقّبة فيما صنعته الأيّام بالذّات، مُشيرًا إلى ذلك بقوله: "حين أعود اليوم إلى ألبومات الصّور القديمة التي جمعتنا في أمكنة وأزمنة مٌختلفة تنتابني مشاعر فيّاضة. كلّما قدمت الصّورة، ونأت اللحظة الّتي صوّرت فيها بعيدًا، ازداد الفضول في أنفُسنا لرؤية ما الذي خلفه الزّمن على أجسادنا وأرواحنا من ندوب.... ص105"

استوقف اهتمامي حديث الكاتب عن تغيّر علاقة الإنسان بالأشخاص والأماكن والأشياء مع مرور الزّمن، لا سيّما تلك التي تربطنا بها علاقة إعجابٍ أولى، ثمّ نلتقيها بعد طول غيابٍ لنكتشف أنّها قد فقدت مذاق الدّهشة الماضية، لأنّ الشّخص الذي يسكننا قد كبُر بفعل الأيّام وتغيّر، وغدت نظرته لما حوله أكثر عُمقًا ونُضجًا ومعرفة ووعيًا، ورغبة في اللقاء بأشخاص نظنّهم أكثر قربًا إلى الرّوح الجديدة، وأشياء وأماكن أكثر مقدرة على مواكبة ذاك التّغيّر الدّاخلي في النّفس.

هذا الكتاب أشبه بانتفاضةٍ ناجحة لذاكرةٍ تتفوّق بقوّتها على النّسيان لتُثبت جبروتها فوق هيمنته، وتؤكّد على لسان قلم الكاتب أنّ النّسيان هو الآخر ليس إلا ذاكرة لابدّ لها من يقظة مهما لجأنا لتخديرها زمنًا، ومهما حاولنا أن نلوذ به فرارًا من سطوة الأذى المعنويّ لأقسى الذّكريات، وهو ما أكّده قوله: " النّسيان هو ذاكرةٌ أيضًا. نلجأ إليه وسيلة من وسائل الهروب من سطوة حضور الذّاكرة، لكنّها أشدّ مكرًا منّا ومنه. إنّ ما يحدُث هو أنّ الذّاكرة المواربة أو المُتوارية، أو المتدثّرة برداء، أو القابعة في خانةٍ أغلق عليها الباب، تنبعث من جديد ما أن تنشط مُحفّزات هذه الذّاكرة، فتذهل لتلك اللحظة التي تستحوذ علينا فيها ذكرى وجوه وأماكن ووقائع خلنا أنّنا قد نسيناها تمامًا، فإذا بها تعود بكمال وجلال تفاصيلها، لنكتشف أنّنا لم ننسَ وأنّ النّسيان خديعةٌ ابتكرناها كي نتغلّب على الألم النّاجم عن الفقد أو الخيبة أو الأذى.... ص 118". وبهذا، يكون (ترميم الذّاكرة) ذاكرة أبديّة موثّقة على الورق، لتملأنا – كقرّاء- في شوقٍ دائمٍ ينتظر ما ستأتي به الأيّام المقبلة من حكايات تلك السّيرة، وتبقى هي خالدةً في تاريخ الفكر والأدب الباعث على التّقدير.

ليست هناك تعليقات: