http://www.foreca.com/

11‏/04‏/2010

(على راحة قلبي) للشّاعر البحريني: علي السّتراوي

(على راحة قلبي)

للشّاعر البحريني: علي السّتراوي

ومضات وفاء غامر للوطن.. الحبّ.. وذكريات الطّفولة

بقلم: زينب.ع.م.البحراني

حين تضع زمام حواسّك بين يدي هذا الدّيوان، لا بدّ وأن تجد نفسك مُلتحفًا بنبض الشّاعر وفلذات من ذاكرته الوفيّة لمحطّات شغفها العميق. ماسّا ولاء قلبه للوطن، السّلام، الشّوق، العشق، المرأة، والحنين للطّفولة. فيفتتح الطّريق إلى اهتمامك بقصيدة (فاتحة الجهات.. أوّل خطيئة الحُب) بقسَمٍ يؤكّد انعدام (ظلّ الشّك) في حكاية حبّ كبيرة بقوله:

معاذ الله..

ما كان للشكّ ظلُ..

وما كُنتِ تلعبين النّرد في شغف الشّهبِ.

أحببتُكِ..

وتركتُ ما حولي للآخرين.

ثُمّ تجد نفسك أمام رائحة حنين كثيف لدفء بقي مذاقه في الذّاكرة رُغم السّنين في نص (آهٍ لدارٍ لم يُغادرها الزّائرون) ، ليأتي بعدها نصّ (حينما ترجّل النّهار عن جواده) في موضع آخر من الدّيوان مؤكّدًا هذا الحنين بانحيازه لذاكرة الطّفولة هربًا بالرّوح من بشاعات واقع عالم الكبار الحاضر، مُستردًّا صور نقاء الماضي في هذه الكلمات: (حُفاة في المدى نسير../ نلحق العافية وصدق النّوايا/ ونسأل الأصدقاء عن غيمة البيت المطيرة/ عن لُعبة الصّغار في الحي./ عن وعدنا المدفون في الشّقاوة) ثمّ يُكمل النّص حكايته بصورة الحاضر المشحون وعيًا بكلّ ما في حاضر الكبار من آثام تصنع أوجاع الكون قائلاً: (وفي الرّدهة التي خلت من حنين/ هدهد البوح سرّ طفولتنا/ وانطوى مُسرعًا في حدقة الحُزن/ شيء في انحدار الدّهشة/ يتصفّح خارطة الوجع الضيّق../ والعالمُ في سُبات الشّهوة والسّقوط/ انحدار للدّم والخوف/ والهتك والمؤامرات الفاضحة). ونرى المزيد من هواجس النّفس الشّاعريّة وتساؤلاتها التي تُحاول سبر أغوار مضامين فلسفيّة، باحثة في شؤون الماضي والحاضر، والمثاليّ، وبكلّ انكسارات المثاليّات على أرض الواقع في قصائد أخرى كقصيدة (انشغالات الصّمت): (مشغولٌ بالمدينة الفاضلة/ بوجع الأمّهات../ بكدح الرّجال../ وبطفولة مُشرّدة / ......... إلى آخر النّص) ، ونص (رُبّما يُريبك الورد!) في قوله: (في النّهار الذي يكشف عن فضّته../اغتسلت الرّوح في نهر الدّهشة!/ نحو سرّ الأشياء، وموت الأشياء../ نحو ظلّي الذي يُشاغلني بالرّيب!).. ونواجه المزيد من ضعف الكائن البشريّ أمام سطوة سُلطان الأحاسيس الكُبرى في النّفس البشريّة، رُغم حكمة المعرفة المُتمثّلة بإدراك الوجع الكامن وراء عُمق ذاك الشّغف في نصّ (للمرآة لُعبة العنكبوت) الذي يقول: (أعرف أنّ الوطن حينما يسكُنُ الشّوق تفيض المُقل/ وأعرف أنّ الدّار حينما تضيق بأهلها يتوحّش القلب/وأعرف ما لبيت العنكبوت من خيوط أوهنها صعبُ).. ثمّ يسترسل وصولا إلى لحظة الصّمت التي تختم كلّ تلك المعرفة!. وفي (عام يسكنه الحلم) نسمع آمال الرّوح الشّاعريّة وطموحها بسلام حقيقي، سواء في عالم الإنسان الدّاخلي بتصالحه مع ذاته، أو عالمه الخارجيّ بانقضاء عصر الحروب، خلال لحظة حالمة بمُستقبل العام الجديد: ( معًا نحو سلام الطّيور/ مُلتقى آخر للهجرة/ مُنتهى دمعُنا المغسول بالتّرقّب../ يُطلّ العام.. وتحتضر الحرب).

في أكثر من مكان على صفحات الدّيوان يواجهنا إيمان بالأمل الباقي في الشّعر ورفيقه الحب، كطوق نجاة معنويّ للنّفس البشريّة المُرهفة، والمُثقلة بقيود العالم المادّي، كما نرى في نصّ (على راحة قلبي) : (الشّعر يا سيّدتي نافذتنا الباقية/ والحديث عن فضّة الشّعر../ بُكارة الخوف في الذّاكرة العربيّة/ هل تُخرجنا أوجاعنا من وخز الإبرة؟!/ أم يُخرجنا شوقنا من فضاءات الحديث/ معًا نحتار في جهاتنا الأخرى/ معًا ننشغل بالحُب!). ونرى مزيدًا من التشبّث بالعاطفة لإبقاء الرّوح على قيد الحلم الشّجاع، ولإبقاء الأمل على قيد الحياة، كما في نص (لن أقول ما قالته القبيلة) : ( لن أقول ما قالته القبيلةُ/ ولن أنطوي في الوله والخوف/ سأنتظر النّجمَ/ وسأسافر في عينيكِ رسالةً/ لأنّي أحبّكِ/ وليس لي في سواكِ نبض!) ونص (انشغال) : ( لحظةً../ بلحظة../ ونوافذ القلب تسع الفضاء../ لأنّك تعلمين../ ما أخشى البوح به!).. بالإضافة إلى نصّ (معًا نُعالج الشّوق): (لكِ الهمس موضع الوله الباقي/ ولي في ذاكرة الصّكوك../ صكّ قد ختم النّبض بالشّوق../ فكُنّا معًا لُغة أخرى لتأويل الأحاديث../ وأسرار المدينة!). ثُمّ يأتي نصّ (كُنتُ كمن يحتمي بالرّماد) ليؤكّد الفكرة السّابقة بقوله: (أحملك زوادتي الأخرى/ ونحو بلاد الله أشرع صدري للبرق/ امرأة في سلالمها يلد الحُلُم/ وفي حينها تهدأ الرّوح) قبل أن يُفاجئنا يتحوّل الحلم إلى عدم في النّص ذاته: (كُنتُ كمن يُمسك جمرة النّار../ ويحتمي بالرّماد!).

ومن بين بقيّة النّصوص يستوقفنا نصّ (حينما تاه الكون) مُفصحًا عن مُخيّلة شّاعريّة وفيّة لتاريخها العربيّ، تستحضر صورًا ومسميات مُضيئة على هامة هذا التّاريخ مثل: (ابن عربي) (بغداد) و .. (كربلاء الحُسين). إلى جانب إشارات واضحة إلى جغرافية البيئة العربيّة زمانًا ومكانًا ومُناخًا، مثل: ( وجسدي في البرية يتدحرج) (بين عسلان الفيافي) (في انتصاف النّهار) ( على جواد الصّحوة) (تسحب الرّيح لجهة الرّمضاء) و.. (ترى فضاءات الشّمس).

كلّ هذا يحتشد في مجموعة نصوص تبدأ ب (فاتحة الجهات.. أوّل خطيئة الحب) وتنتهي ب( مطرٌ يخلع رداءه)، بينهما (آه لدارٍ لم يُغادرها الزّائرون!) (انشغال) (معًا نُعالج الشّوق) (حينما ترجّل النّهار عن جواده) ( لن أقول ما قالته القبيلةُ) (عامٌ يسكُنه الحلم) (حينما تاه الكون) ( انشغالات الصّمتِ) (على راحة قلبي) (للمرآة لُعبة العنكبوت) كُنتُ كمن يحتمي بالرّماد) (رُبّما يُريبك الورد!) (صباحُ العصافير) و.. (صبيّة تغسل صورتها) ..

(على راحة قلبي) استطاع بمضمونه التربّع على راحة ذاكرتي الشّعريّة، ليملأها بأمنية قراءة الكتاب المُقبل للشّاعر ذاته، راجين له مزيدًا من الأعمال الأدبيّة الموفّقة في مُقبل الأيّام والأعوام.


__._,_.___

Attachment(s) from Zainab AL-Bahrani

ليست هناك تعليقات: