أوغست كونت
( 1798-1857)
ولد اوجست كونت في مدينة مونبلييه الواقعة على البحر الأبيض المتوسط الفرنسية 1798 بعد الثورة مباشرة.
أوجست كونت هو التلميذا الأنجب لـلفيلسوف الفرنسي سان سيمون
أسس اوجست كونت المذهب الوضعي القائل ان لا سبيل إلى المعرفة إلا بالملاحظة و الخبرة. و بهذا فهو مؤسس الفلسفة الوضعية في اوروبا و العالم أجمع.
و يعد أوغست كونت من مؤسسي علم الإجتماع.
" أوغست كونت " من الذين بحثوا في نظرية المعرفة ، وعلم الاجتماع وإليه ينسب تأسيس مصطلح " السوسيولوجيا " وتعني علم الاجتماع ،فهو يقسم المعرفة البشرية جميعها ، أي علم كان ، سواء الفلسفة ، أو اللاهوت ، أو الرياضيات أو الفيزياء ، الكيمياء ، الاجتماع ، العلوم الإنسانية كلها ، إلى ثلاثة مراحل مرت بها
المرحلة الدينية اللاهوتية:
يقول : إن البشرية في هذه المرحلة كانوا يرجعون كل شيء رأوه إلى الخرافة ـ أي إلى التفسير الخرافي ـ فعندما رأوا الماء أو المطر يسقط من السماء قالوا : إنّ هناك بحراً يسقط منه هذا الماء ، وعندما يخيفهم الرعد والبرق والزلازل والفيضانات يعتقدون أن هناك قوى غيبية مخيفة ، وليست بالضرورة أن تكون الله المهم أن هناك قوة أعلى منهم ، فهم يخضعون لها ويعبدونها أو يتشاءمون منها ويبذلون أموراً كثيرة لكي يتفادوها .
هذه المرحلة اتسمت ـ بشكل مختصر ـ بالتفسير الخرافي أو الاعتماد على الدين وإرجاع كل شيء إلى الآلهة ، فعندما يروا شيئاً يقولون : هذا من الآلهة فقد تكون الله أوقد تكون غيره بسبب تعدد الأديان والمعبودات في تلك الحقبة – والشيخ ينقد أول مرحلة .. يقول له : ـ أي لأوغست كونت ـ نعم . كان هذا الشيء صحيحاً ، ولكن ليست كل المعلومات ، فهناك معلومات من أنبياء الله عن طريق الوحي ، والمعجز، فهذه بلا شك معلومات صحيحة .فهذا " أوغست كونت " لا يميز بين المعلومات التي من الله ، الذي هو حقيقةً موجود وأثبت بالدليل . وما بين المعلومات التي يعتقدون أنها من هبل وغيرها من الأديان والمعبودات ـ طبعاً كان لكل قبيلة شعار معبود يسمى طوطم في علم (الانتربيولوجيا) وهو رمز يعني آلهة وغيره من هذه الأمور .
هذه المرحلة يسميها المرحلة الدينية ، لماذا ؟
لأنهم أرجعوا كل شيء رأوه في تفسيره وحدوثه إلى الآلهة ، والآلهة مطلقاً، فقد تكون الله وقد تكون حجراً ، وقد تكون شمساً ، وقد تكون قمراً .
ويسميها المرحلة الخرافية لأنّ التفسير فيها تفسير أسطوري خرافي .
المرحلة الميتافزيقية :
بعدالمرحلة الدينية انتقلت البشرية إلى مرحلة أعلى وهذه المرحلة قد بدأت منذ عصر الفلسفة اليونانية .
فقام هؤلاء الفلاسفة بتطوير الفكر البشري ، وقاموا بأول عملية تحليل للقضايا ، ووضعوا أول منهج للفلسفة ، وكانت الفلسفة تسمى عندهم أم العلوم ـ أي شاملة لجميع المعارف البشرية ـ وهي فلسفة ميتافيزيقية ، وإلهية وتشمل العلوم الطبيعية ، كالفيزياء والرياضيات والجغرافيا ، وسياسة المنزل وسياسة الدولة ، وسياسة المدن .
والفلسفة الإلهية تشمل البحث فيما وراء الطبيعة ، الله ، صفات الله ، الملائكة ، الجن ، والجنة والنار ، إلى آخره من هذه الحقائق .
ولأنّ الفلسفة ولدت في هذه المرحلة ، سماها مرحلة الفلاسفة ، فالأولى مرحلة الدين ورجال الدين الخرافيين على حد تعبير " أوغست كونت " الذين أرجعوا كل شيء إلى الأسطورة والتفسير الخرافي ، والمرحلة الثانية هي ما تسمى بمرحلة الفلاسفة ، أو المرحلة الميتافيزقية ، يعني التي تعتمد في تفسير كل شيء على الماهيات ، أي كل شيء رأوه أرجعوه إلى الحقيقة الماورائية التي هي وراء الأشياء ، والتي نطلق عليها في علمنا الكلامي والفلسفي الماهية أو حقيقة الشيء ، أو جوهره .
هذه المرحلة وإن كانت – على حسب تعبير أوغست كونت والفلاسفة الآخرين – بأنها قدمت معرفة بشرية متطورة أكثر من المعرفة الأولى ، لكنهّا لازالت تشوبها الخرافة ، وعدم وجود الأدوات الدقيقة في تحصيل المعرفة ، فالبشرية .. حتى هذه المرحلة والمعرفة الحاصلة فيها يعتبرونها مرحلة فلسفية والفلسفة عندهم ليست علماً.
المرحلة العلمية الوضعية :
و هي تمثل نهاية التطور حسب رأي كونت حيث تطورت المعرفة و جاء عصر التنوير ـ
الذي قام فيه مجموعة من المفكرين الغربيين لينيروا الإنسان للحقيقة ، ويبعدوه عن الخرافة . بدءً من العام 1700م ومن العام 1900إلى الآن يسمى العصر الحديث .
فجاءت المرحلة الأخيرة – حسب تعبير أوغست كونت – وهي المرحلة الو ضعية ، يعني المرحلة العلمية التي تعتمد على العلم لا الخرافة ، في الإطار التجريبي ، يقول " أغست كونت " وفلاسفة الوضعية : كل شيء لايقع تحت حواسنا لا نعترف به ، لأنه لا يقع تحت التجربة أو الإستقراء التام أو حتى الناقص ، والذي لا يكون كذلك لا يعتبروه علماً.
فالمرحلة الوضعية التي تنبع وتنبثق من الفلسفة الوضعية لا تعترف بأي شيء إلا إذا كان واقعاً تحت التجربة _ أي نلمسه بأيدينا ونشمه بأنفوفنا ونراه بأعيننا ونسمعه بآذاننا - .
وعلى هذا الأساس قسّم ورتب " أوغست كونت " العلوم إلى مجموعة علوم بالترتيب ، حسب شروط نذكرها :
أول العلوم هو الرياضيات ، فعلم الفلك ، فالفيزياء ، فالكيمياء فالبيولوجيا وآخر علم وضعه أوغست كونت هو علم الإجتماع "السسيولوجيا" .. لأنه أقل العلوم يقيناً في النتيجة.
و قد وصل إلى هذا الترتيب للعلوم على عدة أسس أو شروط :
أولاً : المبدأ التاريخ:
حتى يكون العلم في الصدارة أو الرتبة الثانية أو الثالثة فهو يعتمد على المبدأ التاريخي ، أي انتقل من المرحلة الدينية حتى وصل المرحلة الوضعية ، يعني تجاوز مرحلة الخرافات ثم الفلسفة اليونانية ، فوصل إلى مرحلة العلم التي هي المرحلة الوضعية ، فأول من وصل إلى هذه المرحلة هو الرياضيات ، فلذلك وضعه في البداية , فأول شرط من شروط العلم وترتيبه هو المبدأ التاريخي .
الشرط الثاني : الدقة :
يعني تكون نتيجة يقينية 100%، فكل علم كلما كانت نتيجته دقيقة 100%كان في الصدارة ، - المبدأ التاريخي والدقة – وكلما كان أقل دقة كان متاخراً .
المبدأ الثالث : وهو المبدأ العمومي .
يعني يكون داخلاً في أغلب العلوم .لماذا وضع الرياضيات في البداية ؟
لأنه أول من وصل إلى المرحلة الوضعية ، وثانياً : هو أدق العلوم ، فالتجارب التي نراها والبيوت والهندسة والسيارات والطائرات فكلها تعتمد على الرياضيات والأرقام الدقيقه .
المبدأ الرابع : التربوي المعرفي :
وهو معرفة القوانين الخاصة بظواهر العلوم التي ذكرت يقتضي معرفة الظواهر التي يدرسها العلم السابق له في الترتيب .
وقال كونت بأن أوروبا المتقدمة هي وحدها التي اجتازت المرحلتين السابقتين من التطور ووصلت إلى المرحلة الوضعية أو العقلانية الكاملة. أما بقية الشعوب فلا تزال تتخبط في المرحلة اللاهوتية الغيبية أو في المرحلة الميتافيزيقية الأكثر تطوراً منها بقليل.
ويرى كونت أن المسيحية بصيغتها القديمة المتزمتة قد انتهت بحلول عصر العلم والعقل. و لقد جاء كونت في القرن الثامن عشر أى بعد فولتير وديدرو وجان جاك روسو. الذين قضوا على التعصب وقدموا تفسيراً جديداً للدين المسيحي. و يرى كونت أانه لابد من وجود دين جديد يسع البشرية الجمعاء و تحقق ما فشلت فيه المسيحية بصورتها السابقة.
فقد ركز هؤلاء الفلاسفة على جوهر الدين ولم يهتموا بقشوره كما كان الناس يفعلون طيلة العصور الوسطى. وهكذا قدمواً تأويلاً عقلانياً وليبرالياً حديثاً عن الدين. وتحرروا بذلك من التأويل القديم المتحنط ، ثم حصلت الثورة الفرنسية كنتيجة لكل هذه الثورة العقلية والتنويرية.
الثورة الفرنسية و أثرها في فكره
و رغم ميلاد كونت بعد الثورة الفرنسية مباشرة إلا أنه كان يخشى الثورات و يرى أنها قد تدمر أكثر مما تعطي من عمران و يرى ان العصر السابق له كان عصر التفكيك و التحليل و النقد و أن عصره يجب أان يكون عصر البناء.
و لقد حاولت الثورة الفرنسية الغاء الديانة المسيحية و إحلال دين العقل محلها و على الرغم أن كونت كان يرفض ما قامت به المسيحية في العصر السابق للثورة من بشائع متلخصة في محاكم التفتيش لكنه كان يرى ألا نرمي بالدين تماما و نحل محل الالحاد فالإنسان ليس مادة فقط.
حياته الخاصة و أثرها في فكره
لا يمكن أن نغفل قصة الحب التى مر بها اوجست كونت حيث أحب فتاة متدينة حبا روحيا خالصا و ما لبست أن فارقت الحياة متأثرة بمرض السل. و كان لذلك تأثير واضح على أفكاره فيم بعد فأخذ يهتم بالدين والروحانيات وينصرف عن الفلسفة الوضعية والماديات. و يمكننا القول أانه حاول اكمال الفلسفة الوضعية بالفلسفة الروحانية التي سماها دين البشرية.
و من المؤسف أن حياة أوغست كونت كانت مليئة بالأحداث التي كانت كفيلة بأان عصفت به عصفاً. فقد وقع في صباه بحب مومس وأراد أن يجعل منها امرأة صالحة، أي أن ينقذها من جحيم البغاء والعهر. وبالفعل رضخت المرأة لرغبته و التزمت بحياة الفضيلة لفترة من الزمن. ولكنها سرعان ما عادت إلى حياتها السابقة فجن جنونه. وقد تعرض عندئذ لاضطرابات عصبية ونفسية كادت أن تقضي عليه.
ومعلوم أنه حاول الانتحار أكثر من مرة، ولكنه أنقذ بأعجوبة. فلقد رمى نفسه في نهر السين يوماً ما. ولكن لحسن حظه فإن شرطيين كانا مارين هناك في تلك اللحظة بالذات فغطسا في الماء وانتشلاه. ثم تزوج بعدئذ من هذه المرأة التي عذبته وعاش معها سنوات متقطعة فتارة كانت سعيدة وتارة كانت شقية. وبعد أن شفي من مرضه النفسي عاد إلى إعطاء دروسه الخاصة إلى بعض الطلبة النابهين. وكان فيهم شخصيات كبرى. وكانوا يستمعون إلى دروسه بكل خشوع لأنهم يعلمون أنه فيلسوف عصره.
وعندما ساءت أحواله المادية تبرع له تلامذته الأغنياء بالمال لكي يكمل بحوثه ويستطيع أن يعيش حياة لائقة بشخص عبقري مثله.
أغرب الأشياء
و من أغرب الأشياء أن السوربون رفضته على الرغم من عبقريته ونبوغه في مجال العلم. . إذ كيف يمكن للجامعة الفرنسية أن ترفض أكبر فيلسوف عبقري في عصره؟
مهما يكن من أمر فإن أوغست كونت ككل العباقرة كان يبحث منذ صغره على إنجاز مشروع كبير لخدمة البشرية. وعلى الرغم من كل العراقيل والصعوبات فإنه استطاع تنفيذ مخططه في نهاية المطاف. لقد عاش حياته كلها على حافة الجنون. ولكن عبقريته أنقذته من السقوط نهائياً في ليل الجنون وظلامه البهيم.
يوتوبيا كونت : قدم مقترحات على جانب كبير من التعقيد لإقامة دولة وضعية تقوم على صفوة من علماء الاجتماع لإدارة المجتمع وتوجيهه.
و بالرغم من ان الأجيال الجديدة لا تقبل على أفكار كونت ، إلا أن الرجل قد أعطى المناقشات التي أدت إلى ظهور علم الاجتماع الحديث و دفع الدفعة التي حركته وفعّلته.
و يذكر أن أوغست كونت كان مفكراً متشعب الاهتمامات والاختصاصات. فقد كتب في فلسفة العلوم الفيزيائية والكيميائية والرياضية. وكتب في السياسة وعلم الاجتماع. وكتب في الدين والقضايا الروحية والميتافيزيقية. وقد أمضى كونت نصف حياته العلمية في دراسة القوانين التي تتحكم بظواهر الكون ومادته، ونصفها الآخر في بلورة النظرية الأخلاقية والدينية للبشر
كتبه
ومن أهم أعمال أوجست كونت كتاب " الفلسفة الوضعية" الذي طبع لأول مرة في ستة أجزاء (1830- 1842)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق