عمانوئيل كانط ـ فيلسوف المثالية والسلام الأبدي
من كتاب شخصيات أثرت العالم / عادل صيام ADEL SEYAM
ولد كانط في مدينة كونيغ سبيرغ في شمال شرق ألمانيا التي تعد اليوم جزءاً من روسيا يوم 22 أبريل من عام 1724 من أبوين فقيرين، إذ كان أبوه يعمل سرّاجاً، بينما كانت أمه من أسرة متواضعة. ينتمي الوالدان الى شيعة بروتستانتية تدعى الشيعت التقوية وتستمسك بالعقيدة اللوثرية الأساسية القائلة أن الإيمان يبرّر المؤمن، وترى أن الدين محاه الإرادة لا العقل، وتعلّي من شأن القلب والحياة الباطنية.
في الثامنة من عمره دخل إحدى المدارس التابعة للشيعة التقويّة، ـ بمعهد فريدريك الديني ـ في العام 1732وأتم برامجها في السادسة عشرة. وكان أظهر ما أفاده فيها شيئين: إعجاباً باللغة اللاتينية، وبالرواقية الرومانية وما تتحلى به من نبل وشجاعة. وتعرف على مكارم الأخلاق منذ نعومة أظفاره عن طريق والدته، . وبعد المدرسة اتجه الى كلية الفلسفة بجامعة مدينته يقصد الى دراسة اللاهوت ليصير قسيساً ولكنه عدل عن هذا القصد فيما بعد وفي العام 1740 التحق بجامعة كنجسبيرج. درس اللاتينية والأدب في المعهد ودرس الفلسفة والرياضيات وعلوم الدين والفيزياء في الجامعة. عام 1746 تقدم برسالة جامعية حاول فيها التوفيق بين ديكارت وليبنتز في مسألة قياس قوّة الجسم المتحرك.في هذه المرحلة توفي والده، فرأى أن يكسب رزقه بالتعليم في أسرة غنية، وزاول هذا العمل في ثلاث أسر على التوالي عند أهل منطقته، قضى في ذلك تسع سنين لم ينقطع خلالها عن التحصيل والتفكير وفي عام 1755 حصل على شهادة الماجستير وعمل مدرسا في الجامعة التي تخرج منها. بقي مدرسا مدة خمسة عشر عاما قام خلالها بتدريس العديد من المواضيع ومن ضمنها الميتافيزيقا والمنطق والرياضيات وعلم الأخلاق، وفشل في ان يصبح أستاذا حتى العام 1770 حين فرغ كرسي المنطق والميتافيزيقا وعين فيه وحصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة ليصبح فيما بعد أستاذاً في الجامعة. ثم تدرج كانط في المناصب الجامعية حتى أصبح عميداً لجامعته بين عامي 1786 و 1788.. استمر بالعمل في الجامعة حتى العام 1796.
وفي أثناء ذلك نشر أهم المؤلفات الفلسفية في عصره كنقد العقل الخالص، ونقد العقل العملي. اصبح عضوا في مجلس الشيوخ الأكاديمي في العام 1780. وفي العام 1787 صار عضوا في الأكاديمية الملكية للعلوم في برلين.
توفي في عام 1804 ودفن في قبو الأساتذة في مقبرة الجامعة. ومن ثم أقيم له ضريح في العام 1880 ونقشت على جداره عبارته الشهيرة التي أنهى بها كتابه "نقد العقل العملي": "السماء المرصعة بالنجوم من فوقي والقانون الأخلاقي في باطن نفسي".
يعد الفيلسوف الألماني كانط من أهم آباء الفلسفة المعاصرة فهو أول من شدد على ضرورة التفريق الصارم بين الأخلاق كمنظومة قيمية تربوية وبين الدين. كما يعد كانط رائد السلام الأبدي الذي يهدف إلى تأسيس منظومة عالمية لحفظ السلام
"اعملوا عقولكم أيها البشر." و عصر التنوير
يعد من أهم شعارات حركة التنوير الأوروبية التي أعادت الاعتبار إلى سلطة العقل وأوليته، علاوة على تأكيدها على ضرورة احترام فردية كل إنسان واستثمار تنوع المواهب البشرية بعيداً عن الإرث الجماعي التقليدي. وعلى هذا النحو ساهم كانط في تبديد غياهب ظلام العصور الوسطي المحيطة بالعقول.
و قد عرف كانط عصر التنوير:" إنه خروج الإنسان عن مرحلة القصور العقلي وبلوغه سن النضج أو سن الرشد." كما عرَّف القصور العقلي على أنه "التبعية للآخرين وعدم القدرة على التفكير الشخصي أو السلوك في الحياة أو اتخاذ أي قرار بدون استشارة الشخص الوصي علينا." ومن هذا المنظور جاءت صرخته التنويرية لتقول: "اعملوا عقولكم أيها البشر! لتكن لكم الجرأة على استخدام عقولكم! فلا تتواكلوا بعد اليوم ولا تستسلموا للكسل والمقدور والمكتوب. تحركوا وانشطوا وانخرطوا في الحياة بشكل إيجابي متبصر. فالله زودكم بعقول وينبغي أن تستخدموها.
و يرى كانط : إن الخمول والجبن هما السببان اللذان يفسران وجود عدد كبير من الناس قد حررتهم الطبيعة منذ زمن بعيد من قيادة غريبة [عنهم]، لكنهم ظلوا قصّرا طوال حياتهم عن رضى منهم، حتى ليسهل على غيرهم فرض الوصاية عليهم. وما أسهل ان يبقى المرء قاصراً. فإذا كان لدي كتاب يحتل عندي مكان الفكر، وقائد يعوض الوعي فيّ، وطبيب يقرر لي برنامج تغذيتي، الخ... فلا حاجة لي في ان أحمل نفسي عناء [البحث]، ولا حاجة لي في ان أفكر ما دمت قادرا على دفع الثمن لكي يقبل الآخرون عنى هذه المشقة المملة.
و يقول: إن الأغلبية الكبيرة من الناس [بما في ذلك الجنس اللطيف إجمالا] تعتبر تلك الخطوة نحو الرشد عظيمة الخطر، فضلا عن أنها أمر مرهق. ويساعدهم على القبول بحالة القصور هذه، أولئك الأوصياء الذين آلوا على أنفسهم ممارسة سلطة لا تطال على الإنسانية. فبعد ان أطبقوا [سجن] البلاهة على قطعانهم وعملوا على مراقبة هذه المخلوقات الهادئة مراقبة دقيقة، حتى لا تسمح لنفسها بالمجاسرة على أدنى خطوة خارج الحقل الذي حشرت فيه، أظهروا لها الخطر الذي يهددها ان هي غامرت بالخروج وحدها.
و يتابع: لكن الخطر ليس كبيرا في حقيقة الأمر لأنها [لو أقدمت عليه] فسوف تتعلم السير، بعد عثرات قليلة. إلا ان مثل هذه الكبوات تولد الاحتراز وعادة ما يحملنا الخوف، الذي ينتج عن ذلك، على العدول عن محاولة أخرى. لذلك فإنه من العسير على أي شخص بمفرده الإفلات من حالة القصور التي كادت ان تصبح طبيعية فيه، إذ صار يرتاح إليها، غير قادر في هذه الفترة، على استخدام فكره الخاص، وقد حرم من فرصة المحاولة.
فالمؤسسات والصيغ [الجامدة]، أي تلك الآلات المختصة باستعمال العقل، أو بتعبير أدق، باستعمال سيء للمواهب الطبيعية هي الجلاجل التي علقت على أرجل القاصرين، في حالة القصور التي ما زالت قائمة. وحتى إذا تخلص أحدهم من هذه الجلاجل فهو لا يستطيع القيام إلا بقفزة غير واثقة من فوق أصغر الأخاديد، لأنه لم يتعود بعد على تحريك ساقيه بحرية. لذلك فإن قلة من الناس توصلت من خلال إعمال ذهنهم الخاص إلى الانعتاق من حالة القصور والقدرة على السير بخطوة ثابتة.
بالنسبة للاستنارة فلا شيء مطلوب غير الحرية، بمعناها الأكثر براءة، أي تلك التي تقبل على استخدام علني للعقل في كل الميادين. إلا أني أسمع الآن وفي كل اتجاه من حولي صيحة تقول: "لا تفكروا. فالضابط يقول: "لا تفكروا، عليكم ان تنفذوا..."، (هناك سيد والمسؤول المالي يقول: "لا تفكروا عليكم ان تدفعوا"، ورجل الدين يقول: "لا تفكروا عليكم ان تؤمنوا" واحد في العالم يقول: "فكروا قدر ما تشاؤون، وفيما تشاؤون ولكن عليكم ان تطيعوا). في كل مكان يوجد تحديد للحرية. ولكن أي تحديد يناقض الاستنارة؟ وما هو التحديد الذي لا يناقضه بل والذي يمكن ان يكون لصالحه؟ أجيب فأقول ان الاستخدام العام لعقلنا لا بد ان يكون حرا في جميع الحالات، وهو الذي يستطيع وحده ان يأتي بالاستنارة إلى البشر، غير ان الاستخدام الخاص لعقلنا لا بد ان يخضع لتحديد صارم جدا دون ان يكون ذلك من الموانع المحسوسة في طريق الاستنارة.
وأقصد بالاستخدام العام لعقلنا ذلك الذي يقوم به المرء حين يكون عالما، في اتجاه الجمهور الذي يقرأ. أما الاستخدام الخاص (لعقلنا) فهو الذي يعطينا الحق في ممارسته والعمل به من موقع مدني، أو أي وظيفة محددة تم تكليفنا بها، إذ يوجد، ضمن مسائل عديدة تخص المصلحة العامة للمجموعة، جهاز آلي معين يحتم على بعض من أعضاء هذه المجموعة القيام بحركات لا إرادة لهم فيها، توجهها الحكومة (بفضل إجماع اصطناعي) نحو [تحقيق] الأهداف العامة أو (على الأقل) لكي تمنع القضاء على هذه الأهداف. هنا لا يُسمَح بالتفكير، بل تجب الطاعة. ولكن إذا كانت هذه القطعة من الجهاز الآلي عضوا في المجموعة، أو في المجتمع المدني العالمي، بصفته عالماً في الوقت نفسه، وإذا توجه هذا العضو بكتابات استند فيها إلى فكره، ففي هذه الحال يمكنه ان يستخدم عقله دون ان يؤثر ذلك على الشؤون التي كُلف بها خلال جزء من وقته كعنصر سلبي.
وأن يرغب الضابط، الذي تلقى أمرا من رئيسه، في إعمال عقله ضمن مهمته للبحث عن جدوى هذا الأمر أو فائدته، فهذا أمر خطير ولا بد لهذا الضابط ان يمتثل. ولكن إذا أردنا ان نكون منصفين [نقول] ان لا شيء يحظر عليه، إذا كان عالما، إبداء ملاحظاته حول الأخطاء الواردة في الجهاز الحربي وتقديم هذه الملاحظات لجمهوره حتى يحكم فيها. ولا يمكن للمواطن ان يرفض أداء الضرائب المفروضة عليه سيما وأن نقداً لاذعاً لهذه الواجبات، ان لزمه قبولها، يعرضه للعقاب، بسبب الفضيحة التي يمكن ان تتولد [عن نقده] (وما ينجر عن ذلك من اضطراب شامل في النظام)، أما وقد وضعنا هذا التحفظ، فلا نرى تناقضاً مع الواجبات ان عبر هذا المواطن، بوصفه عالماً، وبصفة علنية عن نظرته في رعونة ذلك النوع من الجباية أو في جور [من فرضها].
كذلك يجب على رجل الدين ان يقوم بتعليم رعيته، وفي معبده، بحسب رمز الكنيسة التي يخدمها أنه انتدب بحسب هذه الشروط، ولكنه يتمتع، كعالم، بكامل الحرية (إن لم نقل ان ذلك من واجبه) في ان يمد الجمهور بكل الأفكار، بعد ان يزنها بثبات ونيّة حسنة، حول ما يراه خاطئاً في هذا الرمز، وفي ان يقدم لهذا الجمهور مشروع رؤيته لتنظيم أفضل للشؤون الدينية والكنائسية. وفي هذا أيضا لا يوجد ما يمكن ان يثقل ضميره، لأن ما يعلمه وفقا لوظيفته كممثل للكنيسة لا يقدمه إلا كآمر لا حرية له في إبداء الرأي فيه وإنما كتعاليم قد التزم بتدريسها باسم سلطة أجنبية [عنه].
ولسوف يقول "هذا ما تعلمه كنيستنا وها هي الحجج التي تستعملها [في ذلك]". وقد يُبرز، بهذه المناسبة، لرعيته الميزات العملية من الأطروحات التي لا يتفق معها عن اقتناع كامل والتي التزم، رغم ذلك، بعرضها، إذ من الممكن ان يكون قد وجد فيها بعض الحقيقة الكامنة أو، على الأقل، لم يجد فيها ما يتعارض مع الإيمان الذاتي [عنده] أما إذا تعرض لشيء من هذا القبيل فلا يمكن له عند ذلك الاحتفاظ بمهامه والبقاء على اتفاق مع ضميره، وعليه، إذن، ان يعتزل [عمله].
نتيجة ذلك ان المربي إذا استخدم عقله أثناء عمله وأمام من حضر دروسه لا يقوم إلا باستعمال خاص للعقل لأن المسألة تخص اجتماعاً عائلياً، مهما بلغ حجم [هذه] العائلة. وهو يتصرف أمامها على أنه رجل دين غير حر، ولن يكون حراً، لأنه يؤدي مهمة خارجة [عن نطاقه]. أما إذا اعتبرناه عالِما يخاطب بكتاباته الجمهور الحقيقي، أي العالَم، (كعضو في مجمع ديني ضمن استخدام عام لعقله) فإنه يتمتع بحرية لا حدود لها في استعمال عقله والتحدث باسمه الخاص. والادعاء القائل بأن الأوصياء على الشعوب (في الأمور الدينية) لا بد ان يظلوا قُصراً هم أنفسهم، يُعَد سخافة ساهمت في تأييد السخافات [الأخرى].
يمكن لشخص ما، فيما يتعلق به شخصياً، ان يؤجل الحصول على معرفة لا بد له من الحصول عليها. أما ان يُعرض عنها وأن يحرم منها الأجيال المقبلة، فهذا ما يُسمى بالتجني على حقوق الإنسانية المقدسة ودوسها. ويبقى ما حُرم على الشعب تقريره، محرماً، من باب أولى، على الحاكم، لأن سلطة الحاكم في التشريع مُنبثقة من الشعب وهو يستمد إرادته الخاصة من إرادة الشعب العامَة. فليسهر الحاكم على إبقاء الإصلاح، المنجَز أو المفَترض، متفقاً مع النظام المدني، وليترك الحرية لرعاياه في البحث عما يجب عليهم القيام به ليحصلوا على نجاة أرواحهم [في الآخرة]. فليس هذا الأمر من شأنه وإنما عليه، بالمقابل، ان يمنع البعض [من الشعب] من حرمان البعض الآخر، بالقوة، من العمل على تحقيق النجاة والإسراع بها بكل ما أوتي من جهد. والحاكم يضر بهيبته ان هو تدخل في هذا الشأن وأعطى تكريساً رسمياً للكتابات التي يحاول فيها رعاياه توضيح آرائهم. فإن فَعَلَ انطلاقاً من سلطته الشخصية فهو يتعرض للوم القائل "إن قيصر ليس أرفع [شأناً] من النحويين" وإن هو حمى في دولته الاستبداد الكنسي وبعضا من المستبدين على بقية رعاياه فهو يَضعف من قدرته العالية.
"هل نحن نعيش الآن قرناً مستنيرا؟"
وإذا سُئلنا بعد كل هذا: "هل نحن نعيش الآن قرناً مستنيرا؟" فإن إجابتي تكون على النحو التالي: "لا. لأننا في الواقع [نعيش] قرناً يسير نحو الاستنارة"، فنحن لما نَزَل في مرحلة تفتقر إلى عناصر كثيرة أخرى تحمل الناس إلى حالة تمكنهم من ممارسة تفكيرهم الخاص في الأمور الدينية بإحكام وقدرة ودون نجدة الآخرين.
ولكن ان يكون للناس الآن مجال أرحب في ممارسة هذا [التفكير الخاص] بحرية، وأن يكون عدد العقبات أقل من ذي قبل نسبياً، في الطريق نحو عصر شامل للاستنارة يخرج بالناس من حالة القصور التي يبقون هم المسؤولون عنها، فهذا ما لنا عليه مؤشرات مؤكدة. من هذا المنطلق يمكن القول ان هذا القرن هو قرن الاستنارة وقرن [الملك] فريدريك. فالأمير الذي لا يتأفف عن التصريح بأن من واجبه ان لا يأمر بشيء في الأمور الدينية، وأنه يترك للناس كامل الحرية في ذلك، والذي يَعرِض عن لفظة التسامح المتعالية، يبقى هو نفسه مستنيراً: فهو يستحق، إذن، إجلال معاصريه واعتراف الأجيال المقبلة [بجميله]، لأنه أول من أخرج الجنس البشري من حالة القصور، من وجهة نظر إدارية على الأقل، وترك لكل [شخص] الحرية في استعمال عقله الخاص في أمور العقيدة. ففي عهده أصبح من حق رجال الدين الأجلاء، إذا كانوا علماء، ان يتفوهوا بأحكامهم وآرائهم التي تخالف الرمز الرسمي، دون ان يكون لذلك انعكاس سيئ على واجباتهم تجاه وظائفهم. كما أصبح من حقهم ان يعرضوا علانية [هذه الأحكام والآراء] على اختيار العالم، وهذا ينسحب، بالطبع، على كل شخص لا يتقيد بأي التزام تجاه وظيفته. وقد انتشرت روح الحرية هذه في الخارج حتى وإن هي تعرضت لعقبات موضوعية [أقامتها] الحكومة التي لم تستوعب دورها بعد. وما نحن فيه [حكومة فريدريك] يقوم مثلاً أمام كل حكومة لم تفهم ان لا خوف إطلاقاً على العهد السياسي، ولا على وحدة المؤسسة العامة من توفير جو الحرية، حيث سيبذل الناس كبير الجهد حتى يخرجوا من حالة الصلافة، ان لم يكن هناك من يجتهد في إبقائهم عليها.
و يقول كانط : قد ركزتُ اهتمامي في بحثي حول حلول عصر الاستنارة، على ذلك النوع [من الاستنارة] الذي يحرر الناس من حالة القصور التي يبقون هم المسؤولون عليها، ووقفتُ على المسائل الدينية، ذلك لأنه لا مصلحة لحكامنا، في ما يخص الفنون والعلوم، في ان يقوموا بدور الأوصياء. ثم ان حالة القصور هذه [الدينية] التي تناولتُها، هي الأكثر ضرراً والأدهى خزياً. ويذهب منهج التفكير عند رئيس الدولة الذي يشجع الاستنارة إلى أبعد من هذا فيعترف، من منطلق تشريعه أيضاً، ان لا خطر [عليه] في ان يسمح لرعاياه باستخدام علني لعقلهم حتى يقدموا للعاَلم ما أنتجوه من أفكار تشير إلى بناءٍ أفضل لهذا التشريع، حتى ولو كان ذلك من خلال نقد صريح للتشريع الذي تم سَنَه. ان لنا في هذا لمثل كريم لم يتجاوزه أي ملك عدا الذي نُجله.
وهذا الملك المستنير هو الملك الوحيد الذي لا يخشى البقاء في الظل وقد مَسَك بجيش عتيد حسن التنظيم، يضمن به الطمأنينة العامة، وهو [الملك] الوحيد الذي يَقِدر على التصريح بما لا تجرؤ أي دولة حرة [أخرى] على التصريح به: "فكروا قَدرَ ما تشاؤون وفي ما تشاؤون، وعليكم ان تطيعوا".
هكذا تأخذ الأمور الإنسانية مجرىً مثيراً غير منتظر. ومهما يكن من أمر، وإذا اعتبرنا سياق الأمور في جملتها، نرى ان كل شيء تقريبا يثير الإحساس بالمفارقة: فالحصول على درجة أعلى من الحرية الَمدَنية يبدو مفيداً لحرية الفكر عند الشعب في الوقت نفسه الذي يفرض عليه حدوداً لا يمكن له تخطيها. [ومن ناحية أخرى] فإن درجة أدنى توفر له الفرصة في ان ينشر نفوذه الكامل. وما ان تُحرر الطبيعة، من تحت قشرتها الصلبة، بذرة الميل والتأهب للفكر الحر حتى تحدوها بعطفها وتجعل منها ذلك النزوع الذي سيؤثر تدريجياً وبمفعول رجعي على مشاعر الشعب (ومن خلال هذه المشاعر يزيد الشعب شيئاً فشيئا من الاستعداد للسلوك بحرية). وسوف يؤثر هذا النزوع بدوره، آخر الأمر، على أسس الحكم الذي سيرى من صالحه ان يعامل الإنسان (وهو الذي لم يعد مجرد آلة) حسب التقدير الذي يستحق.
و بعد كل ذلك يجب أان نشير إلى أن كانط لم يفهم التنوير نقيضاً للإيمان أو للاعتقاد الديني، وإنما شدد على أن "حدود العقل تبتدئ حدود الإيمان". كما حذر من الطاعة العمياء للقادة أو لرجال الدين كما حصل في دولة بروسيا لاحقاً.
أفكار كانط نواة لتكوين عصبة الأمم
سعى كانط إلى إقامة السلام الدائم بين الشعوب عن طريق عدم اتخاذ الإنسان وسيلة وإنما دائماً غاية، وهو ما يعني إحترام الكرامة الإنسانية لدى الآخر بأي شكل كان. وانطلاقا من هذا المفهوم الذي يرى أن تحقيق السلام لن يتم إلا عبر تغيير الإنسان وتربيته أخلاقياً بهدف جعل الحرب أمراً مستحيلاً. وفي النهاية أدت أطروحاته التي لم تفقد أهميتها حتى الوقت الحاضر إلى تطوير عصبة الأمم التى تكونت بعد الحرب العالمية الأولى لتتحول إلى الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.
طبيعة فكر كانط
كان كانط ذا نزعة عقلية واهتم بالعلوم الطبيعية التجريبية، لكنه اتخذها منطلقا من أجل تكوين نظرة فلسفية شاملة للكون ولما نعرفه عنه. وقد انتقل إلى تحليل المعاني العقلية المجردة (التصورات). وكان إيمانه بقدرة العقل شديدا جدا إلى حد اعتبر معه ان إمكانية المعرفة العقلية غير محدودة.
انقسمت حياة كانط الفكرية إلى مرحلتين أطلق عليهما أسماء المرحلة قبل النقدية، والمرحلة النقدية 1760- 1770 المرتبطة بمؤلفه "نقد العقل المحض"، والذي عمل فيه كانط على دراسة العقل البشري المجرد، أي غير المرتبط بالحس والتجربة. وقد طور كانط في هذا المؤلف مجموعة من المفاهيم التي تعبر عن مراحل المعرفة، من مثل المعطيات القبلية (apriori) الضرورية من اجل ان تتم المعرفة العلمية، مثل الحس والتجربة، والمتعالي (transcendental) السابق للتجربة ولكنه موجود في نطاق العقل، ويشكل شرطا قبليا للتجربة. وميز كانط بين العقل (Vernunft) والفكر (Verstand) الذي هو ملكة التفكير في موضوعات الحس وهو معرفة تصورية، أما العقل فهو التفكير فيما هيأه الذهن وهو ملكة المبادئ والاستدلال.
ويعمل كانط في كتابه الذي يشكل بحثا في نظرية المعرفة أو في العقل النظري (العلم والفلسفة) على بيان فساد كل من التيارين التجريبي والعقلاني. الأول لقصوره، والثاني لتجاوز حدوده.
-المعرفة عند كانط-
المعرفة تتألف من عنصرين: مادة وصورة، بحيث لا توجد المادة في الفكر بدون صورة، وبحيث لا يكون للصورة في نفسها أي معنى لأن وظيفتها الإتحاد بالمادة. المادة موضوع الحدس الحسي، وليس لنا من الحدس سواه ؛ والصورة رابطة في الفكر تسمح بتركيب حكم كلي ضروري لإنها هي أولية. هناك إذاً مادة للفكر ووجود خارجي، وكانط لا يتابع التصورية المطلقة في إنكار هذا الوجود أو التشككفيه، وإن يكن مذهبه يمنع من القول به. هنا نجد كانط يذهب الى ما ذهب اليه أرسطو، بأن الكون هو الهيولى والصورة. ويحصر المعرفة في ما يأخذه من الخارج وما يضيف اليه الفكر، بمعنى آخر ان المعرفة هي تركيب ما تراه وتحسبه الحواس مع ما يتخيله الفكر.
رأينا أن هناك مصدرين للمعرفة البشرية في رأي كانط ألا وهما الحساسية والفهم ؛ والمصدر الأول هو الذي يمدنا بالموضوعات، في حين أن المصدر الثاني هو الذي يسمح لنا بتعقل تلك الموضوعات. ولكن كانط حتى حين يتحدث عن الحساسية، فإنه يفرّق بين صورة الحدوث الحسّية ومادّتها، على إعتبار أن المادة هي موضوع الإدراك الحسي، أو هي ما يقابل”الإحساس”في صميم الظاهرة، في حين أن”الصورة”هي ألمبدأ الباطن في الذات العارفة، والذي يسمح لها بتنظيم مضمون الظاهرة، وفقاً لبعض المعلومات الخاصة، ومعنى هذا أن المادة تمثل كل ما يصدر عن الموضوع، وما هو بطبيعته متغير حادث، في حين أن الصورة تمثل كل ما يصدر عن الذات، وما هو بطبيعته كلي ضروري... فالمعطيات الحسّية هي إمدادات حقيقية ترد الينا من العالم الواقعي، وليست مجرد أوهام ذاتية من نسج العقل، كما وقع في ظن أصحاب المثالية الذاتية. ولكن ليست مهمة نقد المعرفة سوى العمل على تبين ما يرد إلينا من الخارج، وما نضفيه نحن على المعطيات الحسية، عن طريق ما لدينا من صور أولية سابقة على التجربة. وبالنسبة الى المكان والزمان باعتبار هما صورتي الحساسية، فإن كانط يرى أن المكان والزمان هما صورتان أوليتان تخلعهما الحساسية على شتى المعطيات الحية التي ترد إليها من الخارج، دون أن يكون لهما أدنى وجود واقعي في العالم الخارجي، باعتبارهما موضوعين قائمين بذاتهما.
إن الزمان ليس شيئاً موضوعياً واقعياً، كما أنه ليس جوهراً أو عرضاً أو رابطة، بل هو الشرط الذاتي الذي يجعل في وسع العقل البشري أن يحقق ضرباً من التآزر بين جميع الموضوعات الحسية، وفقاً لقانون محدد ؟ فالزمان إذاً حدث صرف. وهكذا الحال أيضاً بالنسبة الى المكان، إنما هو صورة تخطيطية ذاتية تصورية، تنبع وفقاً لقانون ثابت، من طبيعة الذهن، وتجعل في الإمكان تحقيق الترابط أو التآزر بين جميع الموضوعات الحسية الخارجية. ولكن كانط لا يقتصر على القول مع ليبنتز، بأن المكان والزمان مفهومان مجردان للإمتداد والديمومة الحسيين، بل هو يذهب الى أن المكان والزمان هما حدسان أوليان أو صورتان خالصتان للحساسية، تنطبقان على مادة الخبرة، فتولدان تمثل الإمتداد والديمومة الحسّيين.
-من المعرفة الى الوجود-
يذهب مؤرخو الفلسفة الى أنه إذا كانت مشكلة الوجود هي الموضوع الرئيسي الذي أثار اهتمام الفلاسفة القدماء، فإن مشكلة المعرفة هي المحور الأساسي الذي دار حوله تفكير الفلاسفة المحدثين. وعلى حين كان الأقدمون ينتقلون من الوجود الى المعرفة، أصبح المحدثون ينتقلون من المعرفة الى الوجود. ولكن، هل يمكن أن يكون ثمة انتقال من المعرفة الى الوجود عند كانط، بعد أن أعلن بصراحة إستحالة تجاوز العقل لعالم الظواهر ؟ ليست الميتافيزيقيا في عرف أصحابها، إنما هي إدراك موضوعات خارجة عن نطاق التجربة ؟ فكيف يمكن أن نسلم بإمكان قيام علم يكون موضوعه هو”الوجود من حيث هو موجود”، في حين أن كل هدف النقد الكانطي قد إنحصر في بيان إستحالة الإنتقال من عالم”الظواهر”الى عالم”الأشياء في ذاتها”.
إن كانط صاحب الفلسفة النقدية قد سلم منذ البداية بأنه ليس لدينا أي”حدس عقلي”نستطيع عن طريقه أن نرقى الى مستوى تأمل”الموضوعات المطلقة”أو الحقيقة اللا مشروطة، أو الجوهر بالذات، ومن هنا فإنه لا موضع للشك في أن كانط قد”أراد أن يهدم الميتافيزيقيا افيقانية التي ظهرت منذ عهد أفلاطون وأرسطو حتى عهد ليبنتز وفولف، فأثارت بين أصحاب المدارس المختلفة خلافات عقيمة ومناقشات غير مجدية... نجد أن عجز الميتافيزيقيا عن انتزاع إجماع المفكرين شاهد على قصور العقل البشري عن معرفة ”الشيء في ذاته” أو ”المطلق” أو ”اللامتناهي”.
ولقد قرر كانط أن لديه، عن طريق التجربة الخارجية ، شعوراً بوجود الأجسام في المكان، كما أن لديه، عن طريق التجربة الباطنية ، شعوراً بوجود نفسه في الزمان، دون أن يكون في وسعه أن يعرفهذه النفس، اللهم الا باعتبارها موضوعاً لإحساس باطني يستند الى بعض الظواهر التي تكون حالة داخلية، بينما تظل ماهية النفس في ذاتها، باعتبارها عامة لكل هذه الظواهر، شيئاً مجهولاً لديه تماماً.
-الأخلاق عند كانط-
تقوم الأخلاق عند كانط على أساس فكرة الواجب، وعلى فكرة الأمر المطلق. والأمر نوعان: مشروط، ومطلق. أما المشروط فيقوم على أساس المبدأ القائل:”من يتبع الغاية يبتغي الوسيلة”. وهو مبدأ تحليلي إذ يمكن إستنباط الوسيلة من الغاية بطريقة قبلية. وحسب رأي الدكتور عبد الرحمن بدوي، فمن يبتغي المعرفة عليه بالتعلم، ومن يبتغي الثروة عليه بالتجارة والإستثمار. ومن يبتغي السلطة فعليه بالخوض في السياسة. فالتعلم وسيلة الى غاية هي المعرفة، والتجارة والإستثمار وسيلتان الى غاية هي الثروة، والخوض في السياسة وسيلة الى غاية هي السلطة.
أما المطلق فيقوم على الرابط المباشر بين الارادة وبين القانون دون شرط ولا مقدمات ولا نتائج. ونحن هنا أمام مبدأ تركيبي قبلي، إذ من المستحيل استنباطه من أي مبدأ متميز.”الأمر المطلق يقرر أن الفعل يكون خيراً من الناحية الأخلاقية لإنه يجب إيواءه، ولا يقرر أن الفعل يجب ايواءه لإنه خير من الناحية الأخلاقية. ومعنى هذا أن الواجب، مفروضاً على الإرادة الإنسانية، هو قانون العقل المحض، لأنه قبلي وكلي”. وعلينا أن نسلم بفكرة الواجب تسليماً مطلقاً دون أن نحاول استنباطه من مبدأ سابق له. ومن فكرة الواجب هذه يستنبط كانط ما يسميه مصادرات العقل العملي، إنها مصادرات أو فروض لإنها لا تقبل البرهنة العقلية كما قرر ذلك”نقد العقل الخالص”وإنما هي موضوعات للإعتقاد فحسب، أي للإيمان غير العقلي. وهذه المصادرات ثلاث: الحرية وتنبع من ضرورة إطاعة الواجب. ثم خلود النفس ومصدره أن الإخلاص التام للواجب لا يمكن تحقيقه في هذه الدنيا، ولهذا نميل الى الإعتقاد في إمكان تزايد الكمال الى غير نهاية، وهو أمر لا يتصور إلا بافتراض أن النفس خالدة. فخلود النفس أمر يقتضيه العقل العملي، وإن لم يستطع العقل النظري إثباته. والمصدر الثالث وجود الله: والإعتقاد بوجود الله يصدر عن إيقاننا بأن السعادة يجب أن تصحب الفضيلة، وبأن السعادة مصاحبة للأخلاقية.
الأخلاق إذاً صورية محض عند كانط، أي أنها تتوقف على صورة الأفعال، لا على مضمونها، أي على كون هذه الأفعال قد تمت وفقاً للواجب والقانون. ويميز كانط بين حال النفس وبين النية فإن حال النفس تقع في منزلة أعمق من النية، حيث أن النية لا تكون بادىء الأمر إلا تحت تأثير التجربة العابرة التي للشخص عن الحياة، وعلى الأخلاق ان تقبل التطبيق على كل موجود عاقل بوجه عام. وعلينا ان نضع الخير لا من اجل غاية او غرض، بل لذاته، الأن الخير الأخلاقي خير فس ذاته.
مكانة كانط الفلسفية
يقول (وِل ديورانت) في كتابه ( قصة الفلسفة) فلسفة بلغت من السيادة والنفوذ في عصر من العصور ما بلغته فلسفته من السيادة والنفوذ والتفوق على كافة الأفكارفي القرن التاسع عشر، فبعد ستين عاماً من التطورالمنعزل للفكرالعقلاني المتجرد المؤمن بسيادة العقل كما هو لوحة بيضاء تكسوها الأحاسيس والأفكارالخارجية مجرداً من العقائد والإيمان بالدين، أتى كانط ليعيد إلى الإيمان بالعقائد والأديان اعتباره بشكل مستقل ومجرد عن العقل النظري، لقد كانت أوروبا وقتها تتماهى مع مكتسبات التنويربفضل إسهامات فولتيروفرانسيس بيكون وسبينوزا وكوندورسي وغيرهم من رجال عصرالتنوير وأهمها سيادة العقل العملي، بحيث انتهت إلى الثقة العمياء بالقوة الكامنة بالعلم والمنطق في حل كل ما يواجه العالم من مشاكل والتدرج بالإنسان بفضل هذه الآليات العقلية نحو الكمال المطلق، هذه الثقة العمياء التي تأسست على حاكمية ومطلقية العقل في الحكم على الأمور وتقرير ما يجب عمله تجاه الظواهرتأجلت على ما يبدو إلى حين عندما ظهركانط ليوقظ العالم الأوروبي من نومه العقائدي وليهزه في بدهياته المنطقية والعقلية بفضل معطيات كتابه المشهور( نقد العقل الخالص)، الذي أدى بفلاسفة مشهورين كانوا قد سلموا بمطلقية العقل النظري وسيادة أحكامه إلى تغيير آرائهم بصورة تامة بعد قراءته ، إذ سلم نيتشه بكل ما في ثنايا الكتاب واعتبرما جاء به من ثورة عقلية قضية مسلماً بها، أماشوبنهور فقد اعتبرالكتاب على أنه أعظم ما أنتجه الأدب الألماني وأكثره شهرة ، وكان له رأي مشهورمفاده أن الإنسان يبقى طفلاً في معرفته حتى يقرأ كانط ويفهمه، وأتى هيجل بعدهم ليربط الفلسفة كلها بمعرفة كانط إذ قال " لكي يكون المرء فيلسوفاً فلا بد من أن يدرس كانط".
مصادر
http://www.tahawolat.com/cms/article.php3?id_article=1391
http://www.dw3d.de/dw/article/0,2144,1893902,00.html
http://www.alfaiha.net/mashaheer/kant.html
http://www.alriyadh.com/2005/03/28/article51427.html
هناك تعليق واحد:
الدين والسلام عند كانط
الدين والسلام عند كانط
فريال حسن خليفة
القاهرة: مصر العربية للنشر، 2001، 162 صفحة
ما يستحق البحث هو أن نرى كيف يمكن للعقل الإنساني أن يستمر في معرفة الله؟
هذا ما شغل (كانط) في إطار بحثه في علم اللاهوت وتصنيفاته، ويميز (كانط) بين اللاهوت العقلي واللاهوت التاريخي والأول معرفة مؤسسة على العقل، أما الثاني فمعرفة مؤسسة على الوحي، وينحاز بشكل واضح للنوع الأول إذ يرى أن اللاهوت التاريخي – المستند إلى الوحي – يمزق وحدة الجنس البشري في أشكال إيمانية متعارضة.. (ولا يمكن أن تتوحد هذه العقائد التاريخية لأن توحدها معناه أن تنشأ عقيدة تاريخية جديدة تميز ذاتها عن العقائد التاريخية السابقة).
ربما يوحي هذا الذي قاله (كانط) بعدم إيمانه المطلق بالوحى، لكن (كانط) ينفي عن نفسه هذا الاتهام معززاً دفاعه بتصورات نظرية عن الإيمان العقلي، وتشير المؤلفة إلى فروق أساسية بين رؤية كانط ورؤية جان جاك روسو، إذ لم يكن روسو ناقداً للنقل والتقليد فحسب، بل انتقد الوحى والرسالات التي جوهرها الحقيقي هو الشعور، والشعور طبيعي وفطري عند البشر.. (فالموجود الأسمى (الله) وقانون الطبيعة فطريان في كل قلب).
لهذا يقف روسو موقفاً سلبياً من كل الأديان السماوية والمعتقدات غير السماوية، رافضاً أي وسائط بين الله والإنسان.
أما (كانط) فيرى في الإيمان التاريخي، إيمان الوحي المسبق، خضوعاً وسلبية، إيمان يرى الوحي والأوامر الإلهية دليلاً للتعامل مع الله وليس الإنسان، فيحول الدين إلى خدمات وعبادات وطقوس وشعائر، وهو إيمان يرتبط بقاؤه بالتقليد والنقل، ويعتمد في ثبوت صدقه على المعجزات والأسرار، وجميعها – حسبما يقول (كانط) – نوافل لا لزوم لها في الدين الأخلاقي.. (لأنه إيمان يقوم على استعداد القلب ليحقق الإنسان كل واجباته الإنسانية نحو البشر بوصفها أوامر إلهية).
والإيمان التاريخي عند (كانط) يغرق البشر في طوفان من الطقوس الجوفاء التي تخلق روح التعصب عند الشعوب بحيث لا تتنفس إلا القتل والمذابح، و(تضع الشعوب في حالة حرب مع جميع الشعوب الأخرى). إذ تسعى كل عقيدة لتوسيع دائرتها الخاصة واجتذاب أتباع جدد إليها وهو ما يسميها (الانفتاح السلبي للعقيدة)، وهو سلبي إذ لا يقوم على الحرية والعقل والاختيار، وإنما يشجع التعصب الذي يغيب العقل، والمؤلفة تشير إلى احداث معاصرة ألهبت نيرانها روح التعصب الديني والعقائدي مثل الحروب في البوسنة والهرسك والشيشان والحرب الأفغانية والعراق وإيران وشمال السودان وجنوبه والهند وباكستان والصراع بين اليهود والمسلمين.. الخ.
والإيمان الأخلاقي كما يسميه (كانط) مجرد من دواعي الصراع والحروب لأنه لا يقوم على تعصب لعقيدة بعينها، بل يقوم أساساً على الإرادة الحرة في الاختيار التي تسعى إلى تحقيق الخير الأقصى الذي يفترض وبشكل مبدئي وجود الله وخلود النفس، والدين الأخلاقي عملي يقدس الله ويحبه، ليس بالاحتفالات والطقوس والشعائر – كما يقول كانط – وإنما بعمل ما يريده نحو إسعاد ذواتنا والبشرية وتحقيق الخير لها، أما البشر فبواعثه مردها أيضاً الإنسان الذي يفتقر إلى الإيمان الأخلاقي الذي تربطه بالعقل علاقة قوية، ولذا فإن السلام الذي يقيمه الدين الأخلاقي بين البشر سلام دائم تسنده أسس أخلاقية
http://www.annabaa.org/nbanews/01/54.htm
إرسال تعليق