بالأمس أو على وجه الدقة أمس الأول توفى إلى رحمة الله تعالى أعز صديق لى، هو ليس الأعز فهو الأوحد كصديق، بالأمس أو أمس الأول توفى إلى رحمة الله صديقى الوحيد، هذا الرجل الذى عرفته طوال سنوات، أو حسبت ذلك
عرفت له قدره و اعترفت بقدراته، و مقدرته على مواجهة الأمور، رجل قوي و مثابر، شجاع، حنون، و أمين، و صادق
يسدي لك النصح كما لو كنت أخ له ولدت من نفس الرحم و رضعت من نفس الثدي، و ربما تكون هي المرة الأولى و الأخيرة التى يراك فيها، لكنها يحرق أعصابه و يقتل نفسه ليصل بك لأفضل ما يمكن، و كأنه سيكسب من تجارتك مثلما ستكسب أو سيحصل من ربحك نسبة عالية ستصب فى حسابه البنكي، و لا أظن حسابه البنكى تعدي يوما خانة الآلاف، و كانت كلها مدخرات من تعبه و كده، و هو ينصحك و لا ينتظر أن يحصل من نصحك على أى مكسب على المستوى المادي أو حتى المستوى الأدبي و يقول{ لا نريد منكم جزاءا أو شكورا}
فكم من الرجال عملوا بنصيحته أو أخذوا بمشورته و عندما حققوا السبق و النجاح فيم يرومون لم يذكروا له الفضل و هو ذاته لم يطالبهم بذلك و ربما لم يفكر للحظة في أن يشكره أحد
هذا الرجل قد عاش بيننا في زمن لا يتحرك معك أحد إلا ليأخذ منك سمسرة على كل خطوة يمشيها معك
تعرفت عليه أيام الجامعة
كنا شبابا يكسوا رؤوسنا الكثير من الشعر الأسود الناعم لسنا كما صرنا ما يغطيه الشعر الأشيب من رأسنا أقل بكثير مما يكشفه بينما كان هو يختلط لون شعره ببعض الحمرة
وجدته يقول من سيذهب فى طريق العباسية و كان طريقى أنا أيضا من كلية التربية فى روكسي إلى العباسية ، ساعتها ظننت أن معه سيارة أو حتى فيزبا و فى هذا الوقت كانت هناك ظاهرة تفشت بين طلاب الجامعة أن البعض منهم يمتلك سيارة و أو موتوسيكل و يأخذ ى طريقه بعض الزملاء الذين يسكنون إلى جواره لا على سبيل المحبة أو الود أو لوجه الله تعالى بل كان ذلك فى مقابل أن يدفعوا له بعض المال الذى يستفيد هو منه و بدأ الكثيرون فى العمل على هذا النهج من لديه سيارة يتفق مع ثلاثة أو اربعة من الزملاء على نفس الطريق و يدفعون له قدر ما فى اليوم
و صارت فى ذلك جدالات كثيرة بين الزملاء هل هذا عمل لائق أم لا و هناك من سألوا المشايخ هو حلال أم حرام
و البعض تحدث هل هو عمل لائق أم لا
و لكن الأمر انتهى على أن من يقبل هذا العمل يأجر سيارته لزملائه و هو يرى أنه يسدي لهم الجميل و المعروف بأن يرحمهم من زحام المواصلات و فى نفس الوقت هم يستهلكون سيارته فعليهم أن يعوضوه كما أنه يدفع ثمن وقود السيارة و البعض الآخر ظل على موقفه يرى أن هذا عمل لا يليق بطلاب الجامعة و أن الزمالة تحتم أل يكون بينهم تعاملات من هذا النوع
و في نهاية الأمر أذكر أن لنا زملاء لم يكن لديهم سيارات لكن كان لدي أولياء أمورهم سيارات و كانوا يأتون ليأخذونهم
و حتى الآن أنا لم استطع أن أحدد موقف واضح من هذه المشكلة فهي كغيرها من الكثير من الأمور التى لم و لن تحسم
و خلاصة ما وصلت له أن القيم تتغير و أ، الطالب الذى كان لا يشغل باله سوى بتحصيل العلم صار مع هذا الزمن الجديد و المتغيرات التى تطرأ على المجتمعات يحاول أن يكسب ماديا من أى و يوفرنفقاته
و لعل الدافع إلى ذلك هو ارتفاع الأسعار و قلة الدخل
فى هذا اليوم الذى سمعت فيه هذا الصديق يقول من يذهب فى طريق العباسية
ظننت أنه قد أختلف مع من اتفق معهم على الذهاب معه أو أنهم لم يأتوا ي هذا اليوم و لذا فهو لديه مكان خالى في سيارته و لا يود أ، يضيع فرصة المكسب لهذا اليوم من السيارة او لنقل انه لا يريد ان يدفع ثمن وقود السيارة بمفرده.
و قلت له أنا ذاهب في طريق العباسية فقال لي هيا بنا و بينما كنا نعبر الباب خارجين إلى شارع جسر السويس فوجئت به يقول لى تفضل أن ننتظر الأوتوبيس أم نمشيها
فقلت له أنت ليست لديك سيارة فقال لي لا أنا أبحث عمن يمشي معي فى الطريق
و سرنا من باب الجامعة إلى باب منزله طوال الطريق لم نتوقف عن الحديث
و أول ما لاحظته فيه أنه لا يريد أن يتحدث عن المشكلات التى يتحدث فيها الجميع
على الرغم أنه كان من نفس سنى و كان من نفس المستوى الاقتصادي لكنه لم يكن ينتقد الآخرين كما تعودنا أن نفعل.
و كدت أن أضيق به ذرعا من أول خمس دقائق قلت له لماذا انت على هذه الصورة ألا ترى أنك يجب ان تتغير ،و يجب ان تكون أكثر حمية من ذلك، كيف لا تشغل بالك بهذه المشكلات التى تهم الجميع
وفوجئت به يقول لى: و من قال ذلك، أنا أهتم و أشغل بالى و لكن بطريقة مختلفة.
و قال لى لقد نشأنا لا نعرف شيء عن كيفية النقد سلوكياته، و كأننا يجب أن نتشاجر، لقد اختلف من سبقونا و نشأ آبؤنا لا يعرفون عن الأدب و الأدباء سوى ما أشتهر بينهم من خلافات على صفحات الجرائد و ربما لم يقرأوا لهم أدبهم الجيد الجميل، و لذا جاء جيل من بعده جيل تربى على فكرة كتاب تهافت الفلاسفة و كتاب تهافت التهافت.
و ظننا أن هذه هي الحياة و هكذا يجب أن نعيشها
فأنا يجب أن انتقدك يجب أن أقول لك أن فى كلامك خطأ، و كأن هذا يعني أن فى كلامي الصواب
يجب أن أقول لك أن أفكارك غير جيدة لمجرد أنها مختلفة على ما تعودت أنا عليه
لقد كان أول لقاء لي به ، شاب فى مثل سني و لكننى شعرت انه يكبرني بكثير، و صرنا أصدقاء
كانت هناك الكثير من المصطلحات و الكلمات التى شعرت انها غريبة عني و أكاد لا أعرفها ليست فقط أسماء الكتب و الفلاسفة و المؤلفين و لكن هناك أيضا كلمات مثل قبول من يختلف معك معرفة الآخر لقد تحدث لي هذا الصديق عن أننا يجب أن نقبل الآخرين و لا نظن أنهم خطأ لانهم مختلفين عنا أو مختلفين معنا و وجدته يتحدث عن الدين و الرضا و القبول بطريقة و فكر مختلف، هي نفس الكلمات التى نسمعها من غيره و لكنه يوظفها بطريقة مختلفة.
و أعترف أنني الآن و أنا أكتب عنه أستخدم الكثير من كلماته و اسلوبه فى مناقشة الأمور التى طالما استخدمتهم و أذكر انه لم يقل لى يوما أنت تسرق أفكارى أو تقول ما أقول، بل كان فى بعض الأحيان عندما أذكره بشيء قاله أو كتبه يقول لى أين قرأت هذه الفكرة الجيدة فأقول له أنه أنت من قال لى هذا فيبتسم و يقول الحمد لله.
ابتسامة لم أرى مثلها و كلمة الحمد الله كانت تخرج من فمه ليس كما يقولها كل الناس فهو يقول الحمد لله فيشعرك بمنتهى الرضا عن الحال و لا أظن أن أى رئيس أو حاكم أو أمير أو مسمى او مستوى من السلطة او نوع من النجاح من الممكن أن يصل لهذه الروح الطيبة من الحمد، تسأله عن أى شيء يقول لك الحمد لله، هل ذهبت للمكان الفلاني يقول الحمد لله، و ربما يردف الحمد لله ذهبت، أو يقول الحمد لله فقط، أذكر أن الكثيرين كانوا يعلقون على رده على سؤال هل أنت مصري فيقول الحمد لله، و ذات مرة قال له أحد الشباب هل سألتك أنت مسلم لتقول الحمد لله، و كان رده بسيطا و هادئا، الحمد لله على كل حال.
و هذه هي سريرته، أنه يحمد الله على كل حال، دخل في تجارة و خسر فيها مبلغ من المال، ليس بالقليل بالنسبة لمستوى دخله، و لا أذكر أنه حاسب من شاركوه في التجاره و لا طالبهم بشيء و لا حتى عاتبهم، و العجيب هو أنه كان يقول الحمد لله ربنا أراد ألا يستعبدنا هذا المال.
أذكر انني سألته ممن تعلمت كل هذا
فقال لي أى كل يا صديقى
فقلت له كل ما تقول و ليس فقط ما تقول و لكن أيضا ما تفعل
و لا أعرف أن كان قد تعجب من قولى أو أنه أظهر هذا لما يتسم به من تواضع
لقد قال لى أنا مثلك تماما و مثل أى شخص ممن حولنا ذاكرت نفس الكتب فى المدرسة الابتدائية و الإعدادية و الثانوية حقا أننى قد قرأت بعض الكتب أو ربما كثير من الكتب بعض الشيء فى مكتبة المدرسة، و كأن أى إنسان غيري يذهب إلى المسجد أو الكنيسة و اسمع للوعظ و استفيد منه
و اذكر أنه قد دار بيننا حوار طويل حول كلمته المسجد أو الكنيسة
فقلت له هل تذهب للكنيسة يا خالد فقال لي هل قلت ذلك إن ما قصدته أن الشخص الذى يذهب للمسجد أو للكنيسة سيجد من يعظه و يعلمه
و كانت هذه هي أول مرة أفكر فيها ما الذى يحدث داخل الكنيسة
كان تخيلي عنها شيء مشوه أو ربما لم يكن لدي تخيل
و لكن هذا الصديق يقول لى ان من يذهب للكنيسة سيجد من يعظه
و سألته هل ذهبت من قبل للكنيسة أو رأيت ما يحدث فيها
فقال لى لا و لكنني سأفعل ذلك يوما ما
و شعرت ببعض الامتعاض من هذه الفكرة
كيف يأتي هذا الشاب لمنزلى ليصطحبنى كل يوم جمعة للصلاة فى المسجد و فى نفس الوقت يقول لى انه يود الذهاب للكنيسة،
و أكدت عليه هل تود الذهاب للكنيسة، فسألنى هل تظن لو انك دخلت للكنيسة سيربطون بالحبال و يقولون لك يجب ان تترك دينك، و يضعونك فى الساحة و على صدرك الحجارة و يجلدونك ويقولون لك أكفر بدينك عد إلى دين آبائك، و يخرج لك أبو لهب و يقول لك و اللات و العزى
و ضحكنا ساعتها و لكننى كنت أخاف عليه أن يترك دين الإسلام و يذهب ليكون مسيحي
و ظننت أن طريقته فى التفكير هذه لأنه يريد أن يكون مسيحي
و ذهب بالفعل لأحد فروع الكنيسة الإنجيلية، و أخذ منهم كتبهم و احتفظ في مكتبته بنسخة من الإنجيل و نسخة من التوراة بعدة لغات و قرأها، ثم توقف عن ذلك، لا أذكر أنه عاب شيء في كتبهم، ، و لا سمعته يوما يهتم بالمناظرات التى تحدث بين شيوخ المسلمين و القساوسة، و لكننى قرأت ذات يوم على أحد الملفات لديه كلمة" حقيقة الأديان" و تمنيت أن يحدثني عم في هذا الملف، لكنه لم يتحدث، و أنا لم اسأله لأنني أعرف أنه ليس من النوع الذى تسأله فيجيب، و لكن بريقه عندما يتدفق هو معطيا ما بداخله من نور و جمال العلم
سرنا سويا على الأقدام عدد من الكيلومترات لا يمكن أن نعده أو نحصيه، و هو يردد لى أن المشي فى الصغر ادخار للكبر، و لم اشغل بالى للحظة بمناقشة هذه العبارة فهي كما يبدو حكمة و بما إنها حكمة فمن المؤكد أنها مفيدة.
و اعتكفنا سويا في رمضان في مسجد عمرو بن العاص، و ختمنا القرآن خلف الشيخ محمد أيوب، و ختم هو القرآن بمفرده عشرات المرات خلال حياته هو ذاته لا يعرف كم عدد المرات التى قرأ فيها القرآن كاملا، أخذنا فيزا العمرة سويا، و ذهبنا لمكة و المدينة، و عدنا سويا، و صارت أكبر أمانيه أن يقضي فترة طويلة عدة شهور على سبيل المثال في الحرم المكي و عدة شهور في المسجد النبوي، و لكنها أمنية لم تتحقق.
تقول زوجته :لم يشتكي من أى مرض، ذهب للفراش بعد صلاة العشاء و السنة و الشفع و الوتر، و ذهب للفراش، و بعد منتصف الليل ذهبت لتوقظه ليصلي قيام الليل، لكنه لم يجبها، طلبت الطبيب الذى أكد أنه قد فارق الحياة.
رحمه الله
اللهم أغفر لى و له و لوالدينا أجمعين و لصالح المسلمين و المسلمات الأحياء منهم و الأموات
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق