http://www.foreca.com/

04‏/04‏/2010

فيلم سكة سفر – عادل صيام كلاكيت أول مرة في السينما




فيلم سكة سفر – عادل صيام

كلاكيت أول مرة في السينما




شاهدت فيلم سكة سفر، لبشير الديك، و لمن لا يعرف بشير الديك هو كاتب قصص قصيرة، ثم كاتب سيناريو و حوار للعديد من الأفلام: سواق الأتوبيس، ناجي العلي ، ليلة ساخنة لنور الشريف، النمر ألأسود و ضد الحكومة لأحمد زكي، الحريف لعادل إمام، و كل هذه الأفلام من إخراج عاطف الطيب و عاطف سالم و محمد خان، و كل ما أورده هنا هو علي سبيل المثال و ليس حصرا لكل أعماله و لا أعمال الأبطال و لا المخرجين معه.

و لبشير الديك تجربتين في الإخراج و التأليف، في فيلمي: الطوفان لمحمود عبد العزيز، و سكة سفر لنور الشريف، و فيلم سكة سفر، هو تعبير موجز عن الغربة و أثرها، و ما قد ينجم عنها من تأثير على المجتمع المتمثل في القرية، فزعلول بطل القصة و الذى يجسد دوره الفنان نور الشريف، يأتي من الخارج واضعا على رأسه قبعة حتى أن أمه و أقاربه لا يعرفونه، و كل من في القرية يبدأون في الحديث عما جمعه زغلول من مال من خلال رحلة الغربة، و يقول زغلول لأمه أنه سيهدم الدار المبنية بالطوب اللبن ، ويعيد بناءها من جديد طابق لأمه و طابق لأبنة عمه و حبيبته التى سيتزوجها.

و يأتي دور الشرير الذى يحاول أن يستولى على هذا المال الذى جمعه زغلول في الغربة بأن يزوجه ابنته الدميمة، و يتحالف العائد من الخارج مع هذا الشرير متجاهلا ابنة عمه و حبها و أخلاصها له و هي التي انتظرته خمس سنوات ، و رفضت كل من تقدموا لخطبتها كما تؤكد له أمه، و لكن طمع زغلول في زيادة المال، يجعله يتجاهل كل هذا الحب الذى كان بينه و ابنة عمه و يقدم على الزواج من ابنة الثري طمعا في أن تكون له ثروة مال أراضي أكبر و أكثر و أوسع.

و تأتي حيلة الفتاة الريفية العفوية بكيد النساء، فتتبدي لهذا الثري والد زوجة زغلول ، فيقع الرجل في حب الفتاة، و يقدم على الزواج منها، و يجد زغلول أن ابنة عمه قد أحسنت الحيلة التى ستجعلها تنتقم منه، فهي ستتزوج والد زوجته و تصبح مالكة لزمام الثروة، و تنبعث داخله الغيرة، فيحاول منع الزواج بين ابنة عمه و والد عروسه الجديدة، و بعد صراع بين الرجل العجوز و الشاب على ابنة العم، يطلق زغلول ابنة الثري و يتزوج ابنة عمه، و لكن الرجل العجوز قد أخذ منه كل ما أحضره معه من مال على سبيل المهر لابنته، و على سبيل المشاركة في تجارة، و يجد زغلول نفسه خالى الوفاض.

و يصرخ موضحا أن ما جمعه من مال في الغربة لم يأت بشكل يسي و يطرح مثالا واحدا لما عاناه في الغربة، بانه كان ينام عدد كبير من الأشخاص في حجرة واحدة حتى أنهم كانوا يتناوبون التمدد في الفراش ينام البعض بينما يجلس البعض الآخر القرفصاء منتظرا دوره للنوم.

و زغلول بطل القصة إذ يسوق هذا المثال فهو مثال واحد لما يعانيه المغتربين في بلاد غير بلادهم، لكي يجمعوا المال فالمغترب دوما يعود لبلده بعد سنوات و معه بعض المال الذى يبدو كثيرا بالنسبة لمن لم يتغرب، و لم يغادر البلاد، و لكنه لا يعرف أن أغلب ما يجمعون المال في الغربة، يجمعونه على حساب الكثير من آدميتهم فالحياة في بلدان الغربة عادة تكون مرتفعة التكاليف أكثر من الوطن الأصلي، و لكي يوفر المغترب المال، عليه أن يوفره على حساب أن يضحي بأشياء كثيرة ضرورية لشعوره بأنه كائن آدمي، له مشاعر و متطلبات، و أبسطها هي أن يتشارك المسكن مع أناس لا يعرفهم، و أن يتسارك الطعام مع من لا يعرفهم، و أيا ما صارت بينهم من علاقات و كلام وما يسمونه هم معرفة لكنهم يبقون دوما غرباء، و بالفعل ينامون في مساحات ضيقة لكي يوفروا ثمن المسكن، و يأكلون أرخص أنواع الطعام لكي يوفروا من المأكل، و لا يرتدون إلا أرخص الملابس ليوفروا من الملبس، و لكنهم دوما يقارنون حالهم بما كانوا عليه في قراهم و موطنهم الأصلي و يقولون نحن الآن أفضل، فنحن ننام و لا نشغل بالنا بالبوليس، و ننام و بطوننا مملوءة بالطعام، و ننام تحت سقف يحمينا من البرد.

و هم في ذلك يغالطون أنفسهم و يبتعدون عن الحقيقة بعض الشيء، فمن يتحدث عن البوليس، لا نعرف ما مشكلته الحقيقية مع البوليس في موظنه الأصلي فأغلبلهم ليسوا ذوي فكر او اتجاه سياسي معارض لحكوماتهم و فارين من وجه القهر السياسي، بل هو يعيش احيانا في بلد الغربة، عادة بشكل غير قانوني، و هو لا يعرف أن بوليس تلك البلاد لا يتركهم لأنه يتعاطف معهم، بل لأنه يعدهم كم مهمل، و في هذا مهانة أكبر من أن يعيش الإنسان فقير في بلده أو حتى أن يكون معتقل في بلده، من يتركه البوليس لأنه يعده لا شيء أو يعده مثل القطط أو الكلاب الضالة، و فكرة انهم ينامون و قد ملئت بطونهم بالطعام، فهذا أمر يختلف حسب خلفية كل واحد و مستواه المعيشي في موطنه فإن كان بالفعل قد جاء من بلد شديد الفقر، و لا يجد ما يقيت به نفسه فربما له العذر، و لكن عليه أن يعرف أن ما يملأ به بطنه إذا كان رخيصا فهو بالفعل بلا أى جودة، و نفس فكرة الطعام تنطبق على المسكن فمن جاء من بيت بلا سقف سيكون المسكن في الغربة بالنسبة له جنة، و لكن من جاء من بيت واسع ستكون الغربة بالنسبة له جحيم.

و هذا ما لمسناه فيمن لا يحقق الكثير من النجاح في الغربة، أو كما يقولون لا يحتمل الغربة و قد يعود إلى بلده ثانية دون أن يحقق شيء، عادة هذا العائد من الغربة سريعا و فارا مما فيها، يكون لديه في موطنه الأصلي حد أدنى من المستوي المعيشي لذا يفضل العودة له عن أن يبقى منتظرا دوره في النوم كما قال زعلول في سكة سفر.

و أجمل ما في القصة هو هذه المأة التى احتالت أجمل حيلة لتستعيد حبيبها، و لم تكرهه و إن عاتبته و لا مت عليه، و لما قرر العودة لها، وجد عندها الصدر الحنون، و نامت معه في بيت مبني بالقش، و لما قرر السفر ثانية كانت صابرة، و تختلط بسمتها بدموعها و لكنها تربت علي كفه في موده و حب و حنان.

و كنت أتمنى أن يبقى بطل القصة بعد ذلك في قريته و يحاول أن يبدأ حياته بها لكن النهاية كانت من الواقعية بشكل يوجع المشاهد أو يوجعني أنا شخصيا، فقد رحل ثانية بحثا عن تحسين مستواه، و لم لا و هو الذى أثار العدي من رجال القرية و جعلهم كل منهم يعمل و يجمع المال لا ليعيش به بل ليدفعه لهذا الذى سيوصلهم للغربة.

لا أعرف سنة انتاج الفيلم على وجه الدقة و لكن أظن أنها أواخر الثمانينات أو أوائل التسعينات، و ما أعرفه أكثر أن السباب ما زالوا يحلمون بنفس الوهم أن يرحل الواحد منهم لبلد لا يعرف عنه أى شيء بل لا يعرف حتى اللغة التى يتحدثها أهل هذه البلد و يعودون بعض أن تضيع زهرة شبابهم في الغربة ببعض المال.

اللهم رد كل مغترب لأهله سالما من كل سوء، و ارزق الخلق الرضا بما قسمت لهم من رزق في بلدانهم، حتى لا يضيعوا في هوة الغربة.

ليست هناك تعليقات: