http://www.foreca.com/

21‏/04‏/2010

إدماج المرأة في سوق العمل ضرورة تنموية ومهمة وطنية بامتياز بقلم: آصف قزموز

إدماج المرأة في سوق العمل ضرورة تنموية ومهمة وطنية بامتياز

بقلم: آصف قزموز

لم تكن قضية المرأة الفلسطينية وحقوقها في المساواة والعيش الكريم، بمنأى عن اهتمامات المشرّعين وراسمي السياسات وأصحاب القرار في فلسطين، وذلك ليس منذ قيام وبدء عملية بناء السلطة الوطنية الفلسطينية وحسب، وإنما منذ بواكير العمل المؤسسي الفلسطيني الحامل للكيانية وأجسام العمل الوطني التحرّري بمختلف تشكيلاتها ومشاربها السياسية والفكرية، ولا سيما إبان مرحلة ما اصطلح على تسميتها فلسطينياً بديمقراطية البنادق التي حمل لواءها وقادها وأسّسها الشهيد الخالد ياسر عرفات. وقد تطوّرت مفاهيم ومقولات الوعي الفلسطيني تجاه قضية المرأة على نحو تدريجي وتحول تراكمي حمل في ظاهره وباطنه بصمات وسمات كل مرحلة من مراحل النضال الوطني عبر السنين، ولكن بمجمله كان يحمل تميزاً واضحاً تجاه الانحياز لقضية المرأة وإعطائها المساحات الأوسع من الهامش الاجتماعي الديمقراطي، وذلك ليس منّةً على المرأة في هذا المضمار بمقدار ما كان يشكل ذلك نتاجاً طبيعياً لمشاركة المرأة كتفاً إلى كتف مع الرجل في ساحات النضال الوطني التحرري والديمقراطي، والشواهد والدلالات على ذلك باتت تتجلّى اليوم من خلال مشاركتها الفاعلة والظاهرة في جميع المستويات وشتّى الميادين، بل وأصبحت عماداً رئيسياً في كثير من المؤسسات الرسمية والخاصة، وتشارك في جل الأعمال وأشكال الإنتاج المادي والفكري والثقافي ومعمعان عملية البناء والتطوير الجارية في المجتمع الفلسطيني.

إن ما حملته التشريعات والقوانين والسياسات الفلسطينية الرسمية، من نصوص صريحة ومضامين جادة تؤكد حرص السلطة والقيادة الفلسطينية على تحقيق التوازن البناء في العدل والمساواة بين الرجل والمرأة التي قطعت شوطاً متميزاً عن غيرها من باقي الدول الأكثر منّا أمناً واستقراراً ومقدّرات، وذلك من خلال ما نشهده اليوم من حراك اجتماعي سياسي واقتصادي رسمي وشعبي على كل المستويات، يتأسّس ويتكرّس كل يوم على نحو مؤسسي مُقَونن بهياكل وبُنىً واضحة المعالم، لتطوير وتنمية الجهود الجادة لأجل إنجاح التجربة الفلسطينية الواعدة في دمج النوع الاجتماعي على نحو واقعي علمي ومتوازن، يراعي الخصوصيات والظروف والمتطلبات والإمكانيات دون تطيُّر أو شَطَط أو مُبالغة من شأنها أن تؤدي إلى تمييز معاكس لما نصبو إليه ويصبح لسان حالنا كمن أراد أن يقفز على ظهر الحصان فجاء من شدة عزمه واقفاً من الجهة الأخرى فقال: هيك بقينا، هذا إذا لم نحسن قيادة هذه العملية بدقة وتوجيهها وتشريعها بمنطق عقلاني وعلمي لا يتعدّى حدود الواقع القائم وشروطه ومحدداته بالمفهوم التقدمي التحرري طبعاً، وكذلك الخصوصيات الوطنية المتعلقة بفلسطين وموقعها الطبيعي بالمنظور الواقعي بين الدول الأخرى.

ولعلّي لا أُبالغ أو أُجافي الحقيقة إذا قلت أن طبيعة الظروف والاختلالات الاقتصادية والمجتمعية الناجمة عن السياسات الاحتلالية الاستيطانية المحملة بقسط وافر من العنصرية والشوفينية الحاقدة، وكل ما تأتى عن ذلك من تعقيدات وتحديات عصفت على الدوام بتلابيب الحياة الفلسطينية، آخذين بعين الاعتبار حقيقة كون المرأة الفلسطينية عاشت والحالة هذه اضطهاداً مركباً أكثر صعوبةً وتعقيداً مما تتعرض له المرأة عموماً في المجتمعات المستقرة، هو الذي جعل من المرأة الفلسطينية حالة أكثر تميزاً وتقدماً باتجاه إثبات ذاتها كشريك مساوٍ للرجل وكعنصر فاعل في مجمل العملية التنموية الجارية في فلسطين بشتى ميادينها ومساربها السهلة منها والأصعب.

نعم إنه التوحد في الميدان تحت عصا الاحتلال وغول التحدي الجارف الذي لم يفرق بين الرجل والمرأة ولا بين طفلٍ أو شيخ. وبالتالي تقاربت وتساوت الأدوار بين الرجل والمرأة في أحيان كثيرة، وتكاملت الجهود وتضافرت تحت عصا الاحتلال الغليظة، التي طالت المرأة والرجل بلا هوادة، الأمر الذي غيّب في كثير من الأحيان رب الأسرة قسراً لتجد المرأة نفسها أمام تحدٍ صارخٍ أهّلها لأن تكون هي المعيل المحمّل بجميع المسؤوليات والسند المعين للرجل في المحن التي تواجهه سواء أكان أسيراً أم جريحاً ألمـّت به مصيبة الإعاقة أم شهيداً غيّبه الموت على حين غرّة ليضع المرأة أمام دور غالباً لم تكن قد أعدت أو هيّأت نفسها للعبه والاضطلاع بمسؤولياته. وبالتالي فإن الشريك بالغرم والحالة هذه حق له أن يصبح الشريك الأولى بالغنم، ولم يعد ثمة فضل لرجل على امرأة في بلادنا إلاّ بمقدار ما يقدم كل طرف وينتج في خدمة قضايانا الوطنية والمجتمعية التي تنبثق عنها وتتأتى منها مصلحة كل فرد منها فينا وليس العكس.

كل هذا يؤسّس اليوم وبما لا يدع مجالاً للشك، لمشروعية الطموح في وضع سياسات رسمية حكومية تأخذ على عاتقها وفي حسبانها احتياجات وقضايا النوع الاجتماعي، باعتبار أن مسألة النهوض بوضع المرأة الفلسطينية وهذه السياسات بمجملها تقع عملياً في صلب عمليات التنمية والتطوير الشاملة والعادلة، التي ما فتئت تشكل قضية وطنية ومصلحة عليا بامتياز.

وانطلاقاً من أهمية مسألة المساواة بين الجنسين في عالم العمل والنهوض بعمل النساء وتمكينهن ، وتعزيزاً لظروف المرأة في العمل ودعم مشاركتها في العملية الإنتاجية والمجتمعية بما يتلاءم ويتوافق مع حريتها الشخصية ومسؤوليتها كأم وزوجة، ودعماً لها في الحصول على فرص العمل اللائقة والمستدامة ومواجهة التحديات والعقبات التي طالما حدّت من مشاركتها الكاملة في القوى العاملة بوجه عام، وحتى يتسنّى لوزارة العمل تطبيق ورسم السياسات التشغيلية الحكومية الخاصة بالعمل لجهة صلتها باحتياجات عمل المرأة، واحتراماً لما نصت عليه الاتفاقيات والمعايير الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمؤتمر العالمي الرابع للمرأة في بكين، وقرار مجلس الأمن رقم 1325 للعام 2000، واتفاقية "سيداو" التي تنصّ على القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة. ناهيك عما تضمّنه قانون العمل الفلسطيني والقانون الأساسي، إضافة لما تضمّنته اللوائح والأنظمة المنفذة لتلك القوانين، والتي حرصت بمجملها على تنظيم عمل النساء وتعزيز مشاركتهن وقدراتهن في الديمومة والإبداع وتنظيم عملهن بما يليق بهن كشريكات حقيقيات وكأمّهات مناضلات حملن عبء المرحلة كأسيرات وأمهات ثكلى بشهدائهن، أزواجاً وأبناءً وأحفاداً.

لكل هذا وعلى أساسه، جاء إعلان وزير العمل د. أحمد مجدلاني عن تشكيل اللجنة الوطنية لتشغيل النساء، وقبلها إطلاقه لبرنامج التدقيق على النوع الاجتماعي في صلب ذات الغايات والاتجاه آنف الذكر. الأمر الذي شكل انسجاماً عالياً ومتقدماً عن تجارب الكثير من الدول مع القوانين والأعراف والاتفاقيات الدولية لذات الشأن، وبالتالي لم يكن الشعب الفلسطيني أقل التزاماً من غيره بهذه النظم والقيم الإنسانية ببعدها الأخلاقي والحضاري وتطبيقها الخلاق، والتي استهدفت بالذات عمل ومشاركة المرأة وحرصت على الدوام على قضاياها باعتبارها نصف المجتمع إن لم تكن كله في كثير من الأحيان والتجلّيات على أرض الواقع.في ضوء كل هذا وعلى هديه وحتى لا نخرج من إطار الواقعية ونقع في مطب المثالية النظرية، يتوجب علينا جميعاً، كل من موقعه أن ننظر لقضية المرأة ليس كشعارات ونصوص للتباهي والمزايدة في الحداثة والرقي، إنما هناك أعباء وكلف مادية وفنية تتطلبها هذه العملية المثلى لدمج النوع الاجتماعي الذي يليق لا بد من رؤيتها، ذلك لأن هذه القضية لا يمكن ولا بحال من الأحوال أن تكون معزولة عن عملية التنمية الشاملة والمستدامة بل هي جزء رئيسي مكون ومتمم لها ولعملية التحرر الوطني والاجتماعي برمتها.

لقد حق القول اليوم ودائماً إن المرأة نصف المجتمع، لكنها والحالة الفلسطينية التي نعيش وعشنا، يمكن لنا القول أيضاً إنها قد تجاوزت بفعلها أبعاد ومعاني ومساحات هذا المضمون إلى ما هو أكثر من نصف المجتمع المعهود. فبحكم التعقيدات والصعوبات المركبة التي ولّدت التحديات والأدوار المختلفة التي أنيطت بالمرأة الفلسطينية في خضم ومعمعان عملية التحرر الوطني والبناء المجتمعي السائر بثبات نحو الدولة الحرة المستقلة وكنس الاحتلال، طورت المرأة الفلسطينية عملياً من دورها التقليدي وعلا شأنها علواً كبيراً في مجتمعنا الفلسطيني، لا سيما بمقياس النسبية والحقب الزمنية للاستقرار، بحيث باتت وبزمن قياسي تترأس المؤسسة وتتبوّأ أعلى المناصب في الدولة والدرجات العليا في العلم والثقافة والمعرفة، بحيث قادت الأسرة بجدارة أهلتها للعب أدوار مركبة لافتة في المجتمع حين تجاوزت حدود ملعبها التقليدي وباتت تلعب دورها ودور رب الأسرة في آنٍ معاً كزوج وكابن وحتى حفيد ممن غيّبهم الموت أو طوتهم غياهب السجون الاحتلالية البغيضة.

لكن في مطلق الأحوال ومختلف الآجال ستبقى المحددات والمعايير الناظمة لهذه العملية عبر مسربي المأسسة والقوننة المعززة بالتطبيق المبدع الواقعي والخلاق للنظم والقوانين الحضارية، هي الأساس الأكثر حسماً للنجاح من العدم بهذه القضية. ولتتضافر كل الجهود دون تطيّر أو شَطَط يوقعنا في تمييز معاكس يُفسد وُدّالقضية.

asefsaeed@yahoo. com

ليست هناك تعليقات: