بين الحق و الباطل – عادل صيام
في ظلال شعار الدين لله و الوطن للجميع
بسم الله، اللهم وجهك نسأل
الحق نبغي :
الدين لله و الوطن للجميع : ما الباطل فيها، فهذه العبارة لا يوجد فيها أي معني معمى على من يحسن الظن بمحدثه، فهدف العبارة هو جمع الوحدة الوطنية لأبناء الوطن الواحد، فيقول لهم دينكم هذا أمر يخص الله من يحاسبكم عليه هو الله، كن بأى دين شئت فهذا أمر يحاسبك به الله، و الوطن للجميع لك أنت و لهذا و لذاك بغض النظر عن خلفيتهم المذهبية أو معتقدهم الديني.
فالجملة على ما فيها من سهولة لا خدعة فيها و لم يرد بها أى باطل، فدين كل واحد أمر يخص الله و لكن الوطن فهو لكل واحد، فعلى سبيل المثال تكتب هذه الجملة في مدرسة في بلد مثل مصر لتقول لكل الطلاب أيها الطالب المصري المسلم دينك أمر يخص ربك، أيها الطالب المصري المسيحي دينك أمر يخص ربك، لكن مصر كوطن هي للجميع، لك يا مسلم و لك يا مسيحي. و بهذا نحن نعمق الحس الوطني داخل هذا الطالب للعلم، لا نعطيه العلم لكي يكون فقط مسلما بارا بالمسلمين و نقول له لا يحق لغيرك الحياة، فهذا قد يكون مقبول عند من يظنون أنهم أبناء الله على الإطلاق، لكن دين الإسلام يقول للمسلم كنتم خير أمة إخرجت للناس، و لكن بشرط، و هو لم يجعل منهم أبناء الله على الدوام و الشعب المختار أبدا، بل قال لهم حقيقة كونية، و سنة ربانية، و هو حيث يقول لهم ذلك، لا يعطيهم ميزة على غيرهم من الشعوب، بقدر ما يعطيهم السبيل و الطريق ليكونوا كذلك، فهو يقول انتم خير أمة اخرجت للناس، ما دمتم تؤمنون بالله و تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر، ففي نفس الخطاب الذى يعطيهم فيه ميزة الخير، يقول لهم أن هذا الخير مستمر فيكم ان استمر فيكم هذا الفعل بان تكونوا خير من آمن بالله، و خير من أمر بمعروف و خير من نهى عن منكر.
هي شعار ليست قاعدة فقهية:
و الدين لله و الطن للجميع، ليست قاعدة شرعية، بقدر ما هو شعار اتخذه قائد سياسي، حتى لا يظن به رعية البلاد أنه زعيم لأهل دين على حساب أهل دين آخر، فمن رفع هذا اشعار فيم أذكر هو سعد باشا زغلول حيث كانت شعاراته في البداية كلها تميل لخلفية إسلامية حسبما تربى فلاحظ أن المصريين من الأقباط، قد ينفروا منه فناداهم بهذا الشعار، و هو يقول لهم أنا الزعيم المصري المسلم أخاطب الناس بخلفيتي الإسلامية، لكن هذا لا يؤثر على أنكم من أهل هذا الوطن، و أن لكم في الوطن كما لي و لبني ديني.
و نحن إذا نقولها اليوم للناشئين أو لمروجي شعارات الفرقة، لا نخدعهم في شيء، بل نقول لهم هيا نربي ابناءنا على ذلك، نقول لمن يعيش في وطن و تصدر له هواجس من المهجر أن هناك حملات تصفية لبني دينه، أن هذا ليس حق، فالحق ان الوطن للجميع، نحن لا نقوم بعمليات تصفية عرقية او دينية، بل نحن نقبل أن يكون وطننا للجميع، و أى بلد في مختلف العصور، كانت كذلك حوت بين جنبيها مختلف الثقافات، فإذا ما حدث الكثير من القلاقل و ثبت أن هناك أقلية هي التى تثير هذه القلاقل فالبلد بقانونها تحاول عقاب المذنب، فيهب من يود تصوير هذه العقوبات على انها اضطهاد فتكون النتيجة أن يفر أهل هذا المعتقد خارج البلاد.
مصر كانت دوما للجميع:
فمصر على سبيل المثال و في وقت غير بعيد ـ قبل الثورة ـ و عندما أقول غير بعيد لأن نصف قرن أو أكثر ليست ببعيد في ذمة التاريخ، مصر كانت بلد الأمن و الأمان، و كان فيها الدين لله و الوطن للجميع مسلمين و مسيحين و حتى اليهود، نعم حتى اليهود كانوا يعيشون تحت هذا الشعار، في أيام الملكية و لم نسمع أن من شعارات ثورة يوليو ما قال أن على اليهود الرحيل من مصر، لكن الكيان الصهيوني هو من حاول استخدام المصريين من اليهود في تقليب الأمور و إثارة الشغب و قتل الدبلوماسيين حتى يثيروا الحكومات الأخرى على حكومة الثورة، ولم تقم الثورة باضطهاد اليهود بل قامت بمحالاوت ضبط من يقوم بالتخطيط لعمل تفجيرات تنال أمن البلاد و حكمت عليهم أحكاما بموجب القانون، و لم يخرج محمد نجيب أو جمال عبد الناصر ـ مع الاحتفاظ بالالقاب ـ و يقول في خطاب رسمي أو غير رسمي أن على اليهود ترك مصر، بل هم من فروا منها تأثرا بما أشاعه لهم الصهاينة من خارج مصر، و من يرد الحق فليذهب لبلدان أوروبا و يسأل ابناء اليهود الذين عاشوا في مصر قبل الثورة ربما لن يجد منهم الآن من عاش شبابه في مصر، لكن هناك من خرج من مصر و عمره خمس و سبع سنوات، و سمع من ابيه و أمه أنهم قالوا نحن لم نخرج من مصر نتيجة اضطهاد طالنا شخصيا و لكن خرجنا طلبا لتحسين وضعنا المادي، و خوفا من أن الأمور قد تتطور. ففي عهد الثورة و عندما فر اليهود الذين عاشوا في مصر كانت مصر وطنا للجميع، و كان فيها الدين لله.
الدين لله و الطن للجميع شعار يقول لك، أنك رجل أو امرأة ي هذا الوطن لك نفس الحقوق و عليك نفس الواجبات، فلك الحق ان تعمل في أي مجال، و لك الحق ان تمارس كل طقوسك، و لك الحق في التجنيد و لك الحق في الترشح للمناصب النيابية، فالدين أمر عقدي يخص امرك مع ربك، و لكن الوطن لكل أبناء الوطن.
الفهم الخاطئ لمعني الشعار:
لا أود أن أذهب بكم بعيدا، و لكن يذكرني الفهم المخلوط و المغلوط لهذا الشعار بما قاله مذيع تليفزيوني ذات يوم، كتعليق على جملة"كل سنة و أنت طيب" و هب المذيع يقول: أنا لا أود أن نبث هذه الروح التخاذلية بين أبناء وطننا ما معنى ان تكون كل سنة و انت طيب هل تتمنى لي أن أكون كل سنة و أنا ساذج، لا لابد أن نقول كل سنة و أنت صاح كل سنة و أنت ناصح كل سنة و أنت واع" هذا معنى بعض ما قاله السيد المذيع، و هو لم ينتبه أنه قد حمل الجملة علي غير المراد منها فكل سنة و أنت طيب لا تقصد الطيبة بهذا المعنى بل المقصود بها أنك طيب أى طاب لك العيش و تعيش بدون سوء و طبت من المرض و طبت من القلق و التوتر، فهذا هو المقصود بكل سنة و أنت طيب.
و بهذا تكون جملة كل سنة و أنت طيب تساوي في المعني كل عام و أنت بخير، لأن الخير أن تكون طيبا، و طيبا أى خلوت من السقم و العلل، و كلمة طيب هنا لم تأت حتى بمعنى متسامح، خاصة إذا اعتبر البعض أن التسامح و الطيبة تعد سذاجة.
و أذكر في نفس المعرض جملة "تصلوا من غير شر" كانت الفهم المغلوط لهذه الجملة سببا في الغاء زواجة اعتيادية، و أقصد بكلمة زواجة اعتيادية أن ابن إحدى الأسر بحث عن فتاة للزواج فرشحوا له ابنة أسرة معينة و ذهب لهم و تقابلت الأسر و صار التعارف بل و الاتفاق على كل التفاصيل، و لا أذكر على وجه الدقة، أيا من الأسر قام بدعوة الآخر لطعام الغذاء، و أتاصلت الأم لتؤكد موعد حضور المدعويين، و لأنهم بعد ذلك سيخرجون لشراء " الشبكة للعروس" و جاء في الحديث أن الأم قالت: "عندما تصلون منزلنا من غير شر نفعل كذا و كذا" و لأن الأسر فيم يبدو لا تعرف بعضها بعضا جيدا و لا يتمتعون بنفس الحس اللغوي، فقد قامت الأسرة كلها بإعلان الاعتراض على هذه الجملة، و صدرت تصريحات من الزوج أي شر الذى سنحضره لكم، و الزوجة تبكي و تقول نحن سنحضر شرا لكم لماذا. و إذا كنتم تقولون هذا عنا قبل أى شيء ماذا سيحدث من بعد، و إذا و إذا.
و يا للأسف فالمرأة التى قالت لم يبلغها شيء من هذا بل قيل لهذا لإحدى المعارف، و الغيت الدعوة، و الغيت الزيجة كلها بسبب هذه الجملة"تصلون منزلنا من غير شر"
و عندما ننظر للجملة بحسن النية، و بما أن الجميع يقول أنه ليس بينهم أى مشاحنات، و أن الجملة قيلت لك في وجهك، فلايمكن أن نفهمها على هذا الوجه الذى فهمت عليه و أدت إلى المقاطعة السلبية التى جرت بين الأسر، فكلمة من غير شر هنا تعني انتفاء حدوث الشر لكم، أى أن الأم التى قالت ذلك كانت تقصد أن تصلوا دون أن يحدث لكم أى شر، أى تصلوا لنا بخير.
ولو فكر اى ممن سمعوا الجملة بحسن الظن لما حدث أى شر بالفعل و لوصل للمعني الحقيقي للجملة، و ـ لتزوج العريس العروس و لعاشوا في التبات و النبات و خلفوا صبيان و بنات ـ لكنه النصيب.
و لكن التفكير بسوء الظن يجعل كل سنة و أنت طيب تعني كل سنة و أنت ساذج، و تصلون لنا دون أن يحدث لكم شر، تعني تصلون لنا دون أن تحضورا لنا الشر معكم.
الدين لله و الوطن لله الكون كله لله:
نفس الخلط السابق، الذى حول كلمة طيب إلى معني ساذج، هو ما جعل البعض يهب و يقول بان الوطن ليس للجميع فالوطن لله، هذا المعني فيه خلط فنحن لا نقول ان الدين ملك لله و أن الوطن ملك للبشر، و بهذا نحن نجعل الناس يملكون الأرض و ننفي ملكيتها عن الله سبحانه و تعالى، و لا يمكن لأي عاقل أن يقبل ذلك، فهذا فهم للجملة على غير معناها، فلا يجوز ان نقول ان الدين لله و الوطن للجميع فيهب من يقول بل أن الله له ما في السموات و ما في الأرض، و نحن لم نقل غير ذلك.
و من يصعب عليه الفهم فلنقل ما هو اعترضك على الشعار، نحن متفقين أن الدين لله، فهل خلافك على أن جملة الوطن للجميع جاءت مع جملة الدين لله، فحدث الخلط في ذهنك و ظننت أننا ننسب الملكية للبشر دون الله سبحانه و تعالى
هل تقبل أن يصبح الشعار في جملتين منفصلتين أن نكتبه هكذا حتى يكون المعني أقرب لك:
الدين لله.
الوطن للجميع.
و أنا هنا لا أداور و أجادل، فقط احاول أن أوصل لك المراد من الجملة، و السؤال هل تقبل فكرة أن الوطن للجميع أو ترفضها؟ هل تقبل اني من حقي أن أعيش معك في نفس الوطن بغض النظر عن لوني و ديني و ظيفة ابي أو مستوى دخلي السنوي؟، هل تقبل ان تكون في مصر أو سوريا أو فرنسا كل من فيها من أناس مختلفي الشكل و العرق و الدين، و لكن تجمعهم المواطنة ام تود الوطن لك وحدك. هذا هو ما يطرحه الشعار. هل تريد فرنسا لكل من يحمل الجنسية الفرنسية، أم تود ان يعيش فيها من هم كاثوليك فقط على سبيل المثال.
و أنت إذ ترفض الشعار، هل ترفضه لأنك لا تريد معك شركاء في الوطن، أم لأنك تود الزود عما تظن أنه تعدي على حق الله سبحانه و تعالى في ملكية الوطن.
التجربة العملية تثبت ذلك:
و من يقول انه يجب ان نضرب بهذه المقولة عرض الحائط، لأن الله ميز بين أهل الحق و أهل الباطل، فهذا خلط يا سيدي و هذا هو الحق الذى أريد به باطل، فنحن مع احترامنا الشديد لفكرك العميق و ثقافتك المتخصصة التى قد تفوق ما تعملناه نحن، و لكننا نقول، من قال أنك تستطيع أن تكون في وطن بمفردك، من قال أن الله سبحانه و تعالى أراد ذلك، لو أراد الله ذلك فما اسهل و أيسر هذا عليه سبحانه و تعالى، و أمره بين الكاف و النون، لو أراد الله الكل على ملة واحدة فهو القادر أن يفعل ذلك، و لكنه لم يفعل، لأنه ضمن ما طالبك به لكي عبدا هو ان ترضى بما قدره، و أهم ما يجب أن تصبر على ما قدره سبحانه و تعالى هو أن هناك من يخالفك يف العقيدة، فاعبد أنت ربك و ادع إليه بالحكمة و الموعظة، و لا تسب معتقد غيرك حتى لا يسب غيرك معتقدك، و صن أنت سنة نبيك و أظهر ما في مكنون قلبك من حب و أحترام له حتى لا يناله غيرك عن جهالة، و كل هذا دون أن تقول أن الوطن ليس للجميع.
فالتجربة العملية على مر العصور تثبت أن الدين لله و الوطن بما يحتاجه من آليات للحكم و إدارة شئون الناس و مصالحهم للجميع، فالانبياء صلوات الله و سلامه عليهم قبلوا من يخالفهم في الدين، و تعاونوا و عاشوا معهم في نفس المدن، ما داموا يحترمون المواطنة، و الصحابة و التابعين استعانوا بمن يخالفهم الدين في إدارة أمور الوطن و يحضرني الآن علي سبيل المثال ان الذى أعد هندسة ميدان المساجد بالاسكندرية في عهد الملك فؤاد الأول، كان مهندسا ايطاليا، فأن نحتاج لمن يخالفنا في العقيدة هذا أمر يثبته الواقع، و قد نذهب لنحضره من البعيد فما البال إذا كان هذا الشخص يعيش معنا في نفس الوطن، و يستفيد منه كما نستفيد منه و يصيبه من الأذى ما قد يصيب الوطن من أذى، فيكون عليه أن يكون مواطنا بكل ما له و ما عليه، بغض النظر عن دينه لأن دينه لله هو الذى يحاسبه عليه، و حقه و واجبه كمواطن هذا أمر يكتسبه بوجوده داخل الوطن و العمل من أجله.
بل فكرة المواطنة في إطار الإسلام اوسع و أشمل، فتاريخ الدولة الإسلامية يثبت أن الوطن كان أوسع ما يكون التصور، بل إن الوطن كان يعني كل ما يحكمه الاسلام من بلدان، فالوطن للجميع في ظل الحكم الاسلامي كان أكثر تأكيدا فلم تكن هناك حدود بين البلدان الإسلامية، و سافر فيها كل من أراد على اختلاف الأديان و المذاهب، بل و حكم البلاد من هم ليسوا من ابنائها لأن الوطن صار أوسع و أعمق في ظل المعنى الإسلامي، و أعرف أن هناك من يقول لأن الاسلام وحد بين الناس و ساوى، و نرد فنقول: إن الإسلام أيضا قبل الناس جميعا داخل دولته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق